من أجل ثورة قيمية في الجزيرة، متى ينظر المزارع في نفسه ؟

دكتور عبد اللطيف البوني
في المقال الأخير على حسابي في منصة فيس بوك، تناولت مشكلة العطش في مشروع الجزيرة، مع فيديو قصير بعثه لنا الأخ عبد الله جاد الله لمزراعين من قرية الهبيكة يقومون بتنظيف قناة الري التي تخصهم من الحشائش يدوياُ، وقد حصد الفيديو مشاهدات قياسية على حسب الرسالة التي وصلتني من إدارة الفيس بوك وكذا التعليقات …فهذا الأمر يشي بأن موضوع الري في مشروع الجزيرة أصبح هماً قومياً وليس أمراُ يخص مزارعي الجزيرة وحدهم … فأصلاً الكوارث القومية يكون دوماً منشأها محلي ثم تعم آثارها القرى والحضر .
الرأي العام هو قرني استشعار البلاد ، وإن كنت أرى أن هذة المشكلة تدخل في باب (نقص القادرين على التمام)، فكل المطلوب إصلاحات إدارية تبدأ من الحكومة الإتحادية التي ذوبت وزارة الري في وزارة الزراعة (وحدة الرأي الخاصة بالمشروع في إدارة المشروع) ، تلك الإدارة التي وجهت معظم عائد الضريبة التي في حقيقتها أتاوة لغير الري … هل يعقل أن ترفض وزارة المالية الصرف على صيانة القنوات في المشروع بحجة أنه لا يتبع لوزارة المالية ؟ طيب يا دولة السودان أليس لك الولاية على المال العام ؟ تعالي شوفي الاتاوة دي مشت وين .. والله أنا لا أشك في نزاهة أحد لكن المشكلة في أولويات الصرف، وهنا يدخل الفساد الإداري و(كله بالقانون) ..
أن يخوض المزارعون في الوحل والطين لتنظيف القنوات من الحشائش لإنقاذ العروة الشتوية أمر يستحق التوقف، لأنه يدل على خيبة الأمل في الإدارة والزهد في التقانات الحديثة التي حرموا منها بسبب سوء الإدارة ، ولعل المفارقة أن البوكلينات في قرى الجزيرة أكثر من الهم في القلب …يملكها ذات المزارعين ولكنها تفتقر لمطلوبات تحريكها… علماً بأن ضريبة فدان الذرة والفول السوداني التي زرعت في العروة الصيفية المنصرمة كانت أربعين ألف جنية (بنات حفرة) ..
إن ما قام به هؤلاء المزارعين عمل إيجابي رغم محدودية أثره، فهو يندرج في باب (الكحة ولا صمة الخشم) … ولكنه في نفس الوقت يدل على قوة الإرادة فالمضطر يركب الصعب … فبحكم قانون الري ليس مسؤليتهم، بل اللوائح تمنعهم من الاقتراب من هذه القنوات وانتظار الماء في أمات عشارين وهذة مفردها أبوعشرين.
هذة المغامرة التي قام بها أولئك المزارعين (الأشاوس) تعطينا فرصة للطلب من كافة المزارعين في مشروع الجزيرة أن ينهضوا ويتولوا زمام مشروعهم …فرصة للدعوة لثورة قيمية رغم أنني لست ثورياً بل إصلاحيا …المهم سنة الحياة هي التغيير كيفما كان هذا التغيير …المزارع في مشروع الجزيرة محتاج إلى أن يرفع رأسه ويتخلص من الظلم الواقع عليه ويحرر نفسه من القيود التي تكبله ، تلك القيود التي حالت بينه وبين حواشته بامكانياتها الكبيرة، بينه وبين قدرته على إدارة شأنه، بينه وبين إدارك المتغيرات المحلية والدولية.. يجب أن يتجاوز ما يسمى بالمفتش ومندوب المزارعين والذي منه … ويتعامل مباشرة مع الاختصاصي الزراعي ومهندس الري وموظف البنك..
مشروع الجزيرة يمكن أن يستوعب عشرات الآلاف من الزراعيين والمهندسين فهم شركاء حقيقيون مع الشريك الأصلي الذي هو المزارع …إن القيد الذي يكبل مزارع الجزيرة الآن ليس قيداً حديدياً على رجليه، إنما هو قيد على إرادته … فطالما أنه خاض الوحل لكي ينساب الماء إلى حواشته عليه أن يمزق الحجب المعنوية التي تقف بينه وبين حقوقه الأخرى في ذات الحواشة.
من العقائد المركوزة في مشروع الجزيرة أن المزارع فيه مجرد أداة من أدوات الإنتاج ، مثله مثل الترعة وأبوستة والطورية والكوريق والجكاكة وكل الذي منه، عليه تلقي الأوامر و تنفيذها، فهو كما وصفه الخواجة غيتسكل، ترس في ماكينة Cog in a machine
عندما وقعت أول اتفاقية لعلاقات انتاج في المشروع قال إن الاتفاقية أطرافها ثلاثة، والأول ذكي وهو الحكومة… والثاني نشط وهو الشركة .. والثالث أصم وهو المزارع ..ثم اتبعوا ذلك اللوائح المنظمة للعمل والسياسات المباشرة .. تصرف له الأوامر متى يزرع ومتى ينظف الحشائش ومتى يسقى ومتى يحصد ومتى يسلم المحصول ومتى يصرف حقوقه، وهذه الحقوق لا يعرف لها عدلا ولا صرفا… فقط يأتي يوم الصرف إلى المكتب فيستلم ما يصرف له ويختم ويتطلب الله !!
حتى مطلع الثمانينات كان الواحد من آبائنا المزارعين عندما يراك وفي يدك جريدة يسالك (يا ولدي جريدتك ما فيها خبر صرف ؟) …عندما قال الشيخ أحمد بابكر الازيرق في ذات جلسة مع الخواجة محافظ المشروع …يا مستر نحن دايرين نشوف الناس البشتروا القطن بتاعنا دا بعينا دي … ونبايعهم يفتح الله يستر الله …اضطرب الخواجة وعندما وصل مكتبه كتب تقريرا يقول فيه إنه أحس بنغمة غريبة في المشروع ويخشي أن يكون بداية وعى بالحقوق ..
للأسف الإدارات الوطنية التي خلفت المستعمر في الخرطوم وفي بركات استمرت في ذات النهج التهميشي تجاه المزارع … وقال الخواجة والأستاذ الجامعي توني بارنيت إن الإداري السوداني ورث من الإداري البريطاني الوظيفة والسراية والنظرة تجاه مواطنه المزارع .. اتحادات المزارعين أخرجت من بينهم نخبة ارتبطت مصالحها مع مصالح بركات والخرطوم…. لأن طريقة الانتخابات من أول اتحاد إلى آخر اتحاد معيبة وقد شرحنا ذلك من قبل في مقال سابق…
قانون 2005 المعدل 2014 حاول تحرير إرادة المزارع لكن هذا القانون عهد بتطبيقه لمن هم ضده فجاء خديجاً مشوها …أستثني من كل المسؤولين الذين مروا علي البلاد الشريف حسين الهندي الذي كان مدركاُ لأهمية تحرير إرادة المزارع… ولكن انقلاب نميري لم يمهله …فتحول من أفضل سياسي إلى أسوأ معارض وتلك قصة أخرى ..
قانون المهن الزراعية والحيوانية بأقسامه القاعدية والتخصصية والنوعية والذي يفترض أن يكون مطبق الآن قطع شوطا مقدرا نحو تحرير إرادة المزارع… لكن للأسف إن المزارع نفسه قابله باللامبالاة مما يشي بأن الغشاوة مازالت متمكنة فيه …فيا سيدي ومولاي المزارع طالما خضت الوحل لازالة الحشائش من أجل أن تنساب الماء لحواشتك… فواصل لازالة كل الحواجز التي تغربك (بالغين) أي ما يسميه الخواجات Alienation ..تغربك عن عملك وجهدك في حواشتك …يا بنات وأبناء الجزيرة المتعلمين خاصة أولئك الذين سجلت الحواشات بأسمائهم أسألكم بالله أن تعملوا عقولكم وتبحثوا في سبب جثو هذا المشروع على ركبيتيه، أخرجوا من محطة وجدنا آباءنا عليه ..وبطلوا ونسة شريكي كويس… وشريكي كعب ..وأنا عايز أغير شريكي لكن رفض يطلع من الحواشة … القصة ما قصة شريك… ياخي إنت والشريك وكل البلد في مركب واحد… القصة قصة وعي بالحقوق والذي تعمل جماعات المصلحة بوعي على طمثه … انا قلت شنو؟…جماعات المصلحة ؟ أها سكت.



