منتدى الأديان لمجموعة العشرين … كيف يكون الدين عامل وحدة لا تفرقة

رمضان أحمد
تشرفت بتغطية منتدى الأديان لمجموعة العشرين المنعقدة في مدينة كيب تاون – جنوب أفريقيا في الفترة 11 – 14 أغسطس 2025 كمترجم فوري. ضم المؤتمر ما لا يقل عن 250 شخصية من مختلف أنحاء العالم يمثلون مختلف الأديان التي تعتنقها البشرية، من الديانات الإبراهيمية الثلاثة والديانات الأفريقية والديانات الشرقية وغيرها. وقد حضر اللقاء مندوبون للمنظمات الدولية المعنية بالثقافة والدين كالأمم المتحدة كأرفع منظمة دولية وكل الجهات المعنية بالثقافة والدين.
امتد المؤتمر لأربعة أيام تناول خلالها المؤتمرون قضايا متعلقة بدور الأديان في تحقيق السلام وكرامة الإنسان والرفاه المجتمعي. تناول المجتمعون قضايا الفقر والديون التي تدفعها الدول الفقيرة للدول الغنية وتأثير ذلك على جودة الخدمات العامة كالتعليم والصحة وغيرها، بالإضافة إلى قضايا مختلفة متعلقة بالاقتصاد والسياسة والمجتمع. ولم يفت على المؤتمرين أن يتطرقوا إلى مأساة غزة.
تعليقي على هذا المؤتمر يستند إلى ثلاثة نقاط أساسية وهي: أهمية حوار الأديان، وتأثير الدين سلباً وإيجاباً على حياة الناس، وما يجب أن يتمخض عن حوار الأديان.
تأتي أهمية حوار الأديان من أجل التعرف على المشتركات التي يمكن أن تشكل أرضية للتواصل والتعاون. ذلك لأن الواقع يقول أن القيادات الدينية تعمل على إعطاء صورة سيئة عن “الآخر” الكافر الذي سيكون مصيره النار وبالتالي يجب الابتعاد عنه. والهدف من شيطنة الآخر هو الحفاظ على ولاء الأتباع والاستمساك بالدين، على أساس أن مجرد الاقتراب من الآخر قد يؤدي إلى التأثر به. ومن هنا ركزت القيادات الدينية على إبعاد أتباعهم من الآخر مما جعل المجتمعات الدينية تعيش في عزلة عن بعضها البعض. هذه العزلة كثيراً ما أدت إلى مراكمة الصور النمطية السالبة عن الآخر، وبمرور الزمن ينشأ العداء الذي يتطور إلى حالة من النفور من الآخر. العنف الديني الذي شهدته مناطق مختلفة من العالم هو نتيجة طبيعية للتنميط وشيطنة الآخر. ومن هنا فإن الحوار يعني ببساطة أن تسمع من الآخر وليس عنه.

وأما تأثير الدين على تصورات الناس ومن ثم سلوكهم فلا يمكن إنكاره. بل إن سلوك البشر عموماً تحدده التصورات عن الكون والقيم المجتمعية السائدة، والتي تقوم عادة على الموروثات الدينية. ومن هنا تأتي أهمية الحوار في التعارف وتعرف الناس على تصورات الآخرين عنهم. ويكون الحوار فرصة لتصحيح التصورات الخاطئة وإعادة رسم خرائط العلاقات مع الآخر.
عندما يحصل الحوار وإزالة الصورة النمطية والتصورات السالبة عن الآخر تأتي مرحلة التعاون والعمل المشترك. وتأتي أهمية الحوار من كوننا نعيش في عالم واحد ولنا مصالح مشتركة تحتم علينا أن نرعاها معاً. لقد أثبتت الكوارث بكل أنواعها – سواءً أكانت من صنع البشر أو كانت طبيعية – أن المصائب لا تختار ضحاياها. وإنما تصيب كل من هو في طريقها. فالنزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية الناجمة عن التغييرات المناخية والأوبئة كلها لا تختار ضحاياها على أساس الدين أو العرق أو اللون أو الجنس. وبالتالي يجب أن يتمخض عن مثل هذه الحوارات خطط استراتيجية للعمل المشترك بين أتباع مختلف الأديان حول كيفية مجابهة هذه التحديات.
ومن المجالات الأخرى التي يجب أن يتصدى لها أتباع الأديان في العالم في إطار حوار الأديان هذا ضرورة إيجاد معايير وقيم ومبادئ أخلاقية تحكم تصرفات الدول الكبرى على المسرح العالمي حتى لا يحصل تغول على حقوق الشعوب المستضعفة، وبما يحقق العدل والمساواة والحرية والكرامة الإنسانية كقيم مطلقة. وهذا ما يحتاج إليه العالم اليوم.
هذا بالإضافة إلى أن حوار الأديان يجب أن يتخذ خطوات ملموسة تجاه المناهج المدرسية، بحيث يكون التعرف على الآخر عملية ممنهجة بحيث تنشأ الأجيال بطريقة سليمة بعيداً عن التطرف الديني الذي يستهدف إزالة الآخر والقضاء عليه. يجب أن تساهم المناهج المدرسية على نشر التسامح والإقرار بحق الآخر في الحياة كبشر، وأن الخالق وحده هو الذي له الحق في محاسبة الناس وبطريقته، على أن تكون الضرورات الخمس كالحق في الحياة والتملك والدين والنسل والعقل حقوقاً يجب أن يتمتع بها الناس بصرف النظر عن انتمائهم الديني.
خلاصة القول أن حوار الأديان مسألة مهمة وضرورية لما للدين من دور في تصورات الناس وسلوكهم وتأثيره على الحياة عموماً. وبالتالي بدلاً من أن يكون الدين عاملاً مؤججاً للكراهية والصراعات المسلحة نتيجة تصورات خاطئة عن الآخر، يجب أن يكون الدين عنصر وحدة وتقريب، ليس من منظور أن الكل يدعي وصلاً بخالق الكون فحسب وإنما على أساس المصالح المشتركة التي يجب رعايتها وتعزيزها، وبنفس القدر درء المخاطر والمهددات التي لا تفرق بين ضحاياها على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو اللون.



