رأي

سردية الحرب وأفق السلام (5-7) “بين يدي التفاوض والتسوية”

تاج الدين بانقا 

قبل المضيّ قدمًا في هذه السلسلة من المقالات، تبرز جملة من الأسئلة التي لا تُطرح بحثًا عن إجابة مباشرة، بل للتأمل العميق وإعادة التفكير :

1. من أطلق الطلقة الأولى؟

هل كانت وفق ساعة الصفر المخطّط لها بواسطة الدعم السريع وأعوانه سلفًا بعد اكتمال التدابير كافة، أم خطوة استباقية قامت بها القوات المسلحة لإفشال ذلك المخطط أم كانت فخاً مدبراً من جهة خارجية؟

2.ما هي أهداف هذه الحرب؟ وماذا تحقق منها؟

3.ما هي أسباب استهداف المرافق الخدمية ومساكن المواطنين وممتلكاتهم في القرى والأرياف النائية؟ إذ عادة ما تقوم النزاعات من الأطراف صوب المركز وتحاول بقدر الإمكان كسب ثقة المواطنين وتعاطفهم وعدم استعدائهم.

4.هل أدى طول أمد الحرب إلى تغيير مراكز النفوذ والخطط والمراحل عند الدعم السريع ؟

5. ماهي سيناريوهات

النهاية؟ وبيد من قوة التحكم والسيطرة ؟

إن السؤال الجوهري الذي يتطلب البحث عن إجابة هو: هل تصلح التسوية والمفاوضات التقليدية لحل الحرب الراهنة في السودان؟

عادة تُستخدم الدعوة إلى التفاوض بوصفها حلاً سحرياً لكل النزاعات المسلحة، و أن التجربة السودانية اتُثبت أن نجاح التفاوض مشروط بطبيعة النزاع وأطرافه وأسبابه. وعند إسقاط النموذج التفاوضي الذي حكم اتفاقيات السلام السابقة—من أديس أبابا 1972 إلى جوبا 2020— على الحرب الدائرة اليوم، يتضح بجلاء أنه نموذج لا يصلح للتطبيق.

أولاً، لأن المفاوضات في التجربة السودانية كانت تقوم على معالجة مظالم حقيقية وهي أسباب النزاع المسلح المتعلقة بالتهميش السياسي والاقتصادي. بالاضافة لمعالجة آثار الحرب المتمثلة في إيصال المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار والعدالة الانتقالية وجبر الضرر. أما في الحرب الراهنة، فإن الطرف المتمرد لم يكن مهمشاً ولا مقصياً عن السلطة، بل كان جزءاً أصيلاً من مركز الحكم، وتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي وأمني غير مسبوق، شمل مواقع سيادية، وموارد مالية ضخمة، وعلاقات خارجية مستقلة، وسلطة فعلية تجاوزت أحياناً مؤسسات الدولة نفسها. وعليه، لا توجد مظالم سياسية أو اقتصادية يمكن التفاوض حولها أو “تصحيحها” عبر اتفاق سلام.

ثانياً، لأن التفاوض يفترض وجود قضية عامة يمكن تسويتها، بينما جوهر هذه الحرب يتمثل في طمع للانفراد بكرسي السلطة الأول ومحاولة لانتزاعه بالقوة، وفرض أمر واقع جديد خدمة الأطراف خارجية ثبت تورطها في الحرب بالأدلة الدامغة. إن تحويل هذا النوع من الصراعات إلى طاولة تفاوض لا يؤدي إلى السلام، بل إلى مكافأة المنتهكين والعادين.

ثالثاً، لأن الانتهاكات المرتكبة في هذه الحرب لا تقع ضمن نطاق “آثار حرب” قابلة للمساومة السياسية، بل ترقى إلى جرائم حرب وعدوان واسعة النطاق ضد المدنيين، استهدفت القرى والأرياف والمناطق النائية التي لا علاقة لها بالسلطة المركزية. وهذه الجرائم لا تُعالج عبر تقاسم سلطة أو ترتيبات سياسية، وإنما عبر آليات المساءلة والعدالة، الوطنية والدولية.ان لم تحسم عسكريا.

بناءً على ما سبق، فإن الطريق إلى إنهاء الحرب لا يمر عبر شرعنة المليشيا ومكافأتها ، بل عبر مقاربة مختلفة جذرياً، تضع أولوية حماية المدنيين، واستعادة احتكار الدولة للقوة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، قبل أي حديث عن ترتيبات سياسية أو تقاسم للسلطة.

ونواصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى