رياضية

كارثة التمكين: كيف دمرت اللجنة مؤسسات السودان وأفرغت خزينته

 

دكتور مزمل سليمان حمد

أعلنت لجنة إزالة التمكين عن نيتها استئناف نشاطها داخل السودان وخارجه، بعد أن تجميدها رسمياً من قبل مجلس السيادة الانتقالي. وهنا يبرز التناقض الكوميدي المأساوي: كيف ستعود اللجنة للعمل بحرية وتنفذ قراراتها، في حين أن رئيس مجلس السيادة قد جمد نشاطها رسمياً؟ يبدو أن اللجنة تعيش في عالمها الخاص، تتجاهل القانون ومؤسسات الدولة، وكأن التجميد لم يحدث، وكأن آلاف الموظفين المفصولين، وأصول الدولة المنهوبة، والهجرة الجماعية للكفاءات، لم تكن سوى تفاصيل صغيرة في روايتها الخيالية عن “العودة”. هذه السخرية ليست مزحة، بل رسالة واضحة بأن اللجنة تعتبر نفسها فوق الدولة ومحاسبتها مسألة اختيارية.

 

منذ تأسيسها، تجاوزت اللجنة نطاق تصحيح مسار سياسي سابق إلى تفكيك شامل لمؤسسات الدولة. شملت أضرارها السلطة القضائية، حيث تم فصل المئات من قضاة المحكمة العليا وموظفي السلك القضائي بشكل تعسفي، ما خلق فراغاً قضائياً هدد نزاهة المحاكم وقدرتها على حماية الحقوق. وامتدت الأضرار إلى الخدمة المدنية، حيث فُصل أكثر من 12 ألف موظف، شمل ذلك الفنيين والإداريين وأساتذة الجامعات والأطباء والعاملين في التعليم والصحة وعمال النظافة بولاية الخرطوم، ما أدى إلى أزمة إنسانية ومهنية حقيقية. كما تمت مصادرة العقارات والمشاريع والممتلكات والسيارات في القطاعين العام والخاص دون أي رقابة قانونية، ما أدى إلى شلل الموارد المؤسسية وزعزعة الاقتصاد الوطني.

 

الهجرة الجماعية للكفاءات كانت من أخطر النتائج؛ فقد غادر السودان أكثر من خمسة آلاف أستاذ جامعي وأطباء ومهندسون، تاركين فراغاً تعليمياً وصحياً وتقنياً هائلاً أثر بشكل مباشر على تنمية الدولة واستقرارها.

 

على الصعيد الاقتصادي، لم تتوقف آثار اللجنة عند المؤسسات فقط، بل امتدت إلى هروب الاستثمارات الوطنية والعربية والأجنبية. المستثمرون فقدوا الثقة في البيئة القانونية والمؤسساتية بعد أن شاهدوا مصادرة المشاريع والأصول بلا أي رقابة أو محاسبة، وغياب الشفافية التامة في إدارة الموارد، ما أدى إلى ركود اقتصادي وتهديد مباشر لنمو السودان واستقراره المالي.

 

الأمر الأكثر صدمة هو أن الملايين، بل المليارات من الدولارات أو ما يعادلها، كانت اللجنة تصادرها وتستلمها باليد ولم توردها إلى خزينة الدولة أو وزارة المالية، وهو ما أكده ثلاثة وزراء تعاقبوا على وزارة المالية في عهد حكومة الدكتور عبد الله حمدوك: الدكتور إبراهيم البدوي (فترة أغسطس 2019 – يوليو 2020)، والدكتورة هبة محمد علي (فترة يوليو 2020 – فبراير 2021)، والدكتور جبريل إبراهيم (فترة فبراير 2021 – أغسطس 2021)، وجميعهم شهدوا أن أموال اللجنة لم تدخل إدارة الدولة ولم تخضع لأي ضوابط محاسبية أو قانونية، ما يعكس عمق الأزمة وفقدان السيطرة على مقدرات الدولة.

 

الأدلة القانونية الأكثر وضوحاً على تجاوزات اللجنة تأتي من تقرير لجنة مراجعة أعمال لجنة إزالة التمكين برئاسة وكيل وزارة المالية. هذا التقرير يمثل وثيقة رسمية ودقيقة، يُعتبر دليلاً قانونياً قاطعاً يثبت المخالفات، ويؤكد القرارات التعسفية التي اتخذتها اللجنة بحق الموظفين والمؤسسات، ويحدد الضرر الذي أحدثته على الدولة والمواطنين. وجود هذا التقرير يجعل من الضروري تحريك إجراءات قضائية ومحاسبة مسؤولي اللجنة، ويؤسس لآلية واضحة لاسترداد الحقوق وإعادة الثقة في مؤسسات الدولة.

 

هذه التجربة الكارثية تؤكد الحاجة الملحة إلى إنشاء مفوضية قضائية مستقلة أو محكمة خاصة مختصة بالنظر في أعمال لجنة إزالة التمكين. يجب أن تمتلك هذه الهيئة سلطات واضحة للتحقيق والفصل في النزاعات، وأن تعتمد على الكفاءة القانونية والمهنية بعيداً عن الاعتبارات السياسية، لضمان مساءلة المسؤولين عن التجاوزات، واسترداد الحقوق للضحايا، وإيقاف نزيف الكفاءات، واستعادة الدولة إلى مسارها الطبيعي.

 

العودة المزعومة للجنة دون رقابة أو مساءلة ليست مجرد تهديد للمؤسسات، بل استمرار للجريمة بحق الكفاءات الوطنية ومقدرات الدولة. العدالة هنا ليست خياراً، بل ضرورة وطنية واستراتيجية لإصلاح ما تهدم، وإعادة الحقوق للضحايا، وضمان ألا تتحول تجربة اللجنة إلى قاعدة متكررة للعبث المؤسسي. هذا هو السبيل الوحيد لاستعادة الدولة، وإعادة الثقة في مؤسساتها، وحماية مستقبل الأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى