تأملات في تجارب الثورات

عبد الرحمن عبد الله محمد
عندما نحلل مآلات بعض الثورات العظمى، الفرنسية والروسية والإيرانية، نقف على مفارقة متكررة: قادة الثورة، في لحظة ما، ينزلقون من موقع “القائد” إلى موقع “المتزلف”، سعياُ وراء الشرعية التي هي بطاقة صعودهم إلى سدة الحكم. فروبسبيير الذي بدأ خطيباً للفضيلة والعقل، انتهى أسير “لجنة السلامة العامة” ومطالب الغوغاء في الشارع الباريسي، حتى ابتلعه المقصلة. والبلاشفة الذين رفعوا شعار “كل السلطة للسوفييتات”، ما لبثوا أن صادروا سلطة تلك السوفييتات ذاتها حين تعارضت مع “المصلحة العليا” كما فهمها لينين وتروتسكي. وثورة إيران التي حملت في أحشائها تحالفاً عريضاً من ليبراليين ويساريين ومتدينين، انتهت بإقصاء حليف الأمس مهدي بازركان ورفاقه، حين استقوى الخميني بجمهور الحوزات الدينية على حساب بعض القوى الليبرالية التي ساهمت في إسقاط الشاه. المشترك بين هذه النماذج أن “الشرعية الثورية” سلعة نفدت صلاحيتها بسرعة، فاضطر القائد إلى تجديدها المرة تلو الأخرى، بثمن هو غالباً التنازل عن الحكمة لصالح التصفيق.
وفقا لأدبيات العقد الاجتماعي، فإن مسؤولية القائد تقتضي منه دراسة الخيارات بميزان بارد، واختيار ما يجلب المصلحة العامة ويدرأ المفسدة عن الأمة، وهو ما يُعرف في الأدبيات الغربية الحديثة بـ”العناية الواجبة” (due diligence). بيد أن التاريخ يخبرنا أن إحدى أخطر تجليات الثورة السالبة تكمن في جنوح قادتها إلى تقديم مطالب الثوار الآنية على المصالح الكلية للأمة، فيتحول الدَّين الذي أثقل به الثوار كاهل قائدهم إلى قيد يعطل القرار الرشيد. وقد نبّه ابن خلدون، منذ زمن بعيد إلى أن “العصبية” التي تصنع الدولة قد تنقلب عليها إن لم يُحسن الحاكم ترويضها بعد بلوغ الملك، فتتحول قوة البناء إلى أداة هدم.
هذا المأزق المتكرر هو ما دفع سقراط إلى الشك في قدرة العوام على اختيار الأصلح وتقديم الأمثل، وقد ذكر فيما نُقل عنه أن فساد النموذج الديمقراطي وعجزه عن إدارة الدولة قد يدفعان الشعب نفسه إلى احتضان “القوي” ولو كان متجبرا، طلبا لضبط الفوضى التي جلبتها ديمقراطية معيبة. لم يكن سقراط يكره الحرية، بل كان يفرّق كما فرق أفلاطون من بعده بين حرية اختيار الأصلح وحرية مجاراة الهوى. فالربّان الماهر، في تشبيه أفلاطون الشهير، لا يُنتخب بالتصويت، وإنما بالمعرفة والخبرة. وتسليم دفة السفينة لمن يحسن مداهنة الركاب لا من يحسن قراءة النجوم هو الطريق الأقصر إلى الغرق. ودفع سقراط حياته ثمناً لبعض مواقفه الحادة تلك حين حاكمته أثينا الديمقراطية نفسها.
أما أفلاطون، تلميذه الأكثر جرأة في تبني هذا النهج، فقد أفرد في كتابه “الجمهورية” مساحة واسعة لنقد الحكم الديمقراطي، مصوراً انحداره التدريجي من حكم القلة إلى حكم الغوغاء ثم إلى الاستبداد، في دورة تشبه ما نسميه اليوم “الانقلاب على الثورة”.
غير أن الإنصاف يقتضي تسجيل ملاحظة، وهي أن الديمقراطية التي عاينها سقراط وأفلاطون كانت ديمقراطية مباشرة عارية من المؤسسات الوسيطة (مثل القضاء المستقل، وفصل السلطات، والصحافة الحرة، وأحزاب المعارضة). بينما الديمقراطيات الحديثة الناجحة لم تراهن على “حكمة الجمهور” فقط، بل على منظومة مؤسسية تمتص غضب الشارع وتقيّد الحاكم في آن واحد؛ وهذا بالضبط ما حذّر منه توكفيل حين تحدث عن “استبداد الأغلبية”، ورأى أن علاجه ليس إلغاء الديمقراطية بل تحصينها بمجتمع مدني حي وقضاء مستقل.
ان مآلات الثورات تقض مضجعي، وتجعلني قلقاً على مستقبل الثورة السودانية، لا لأن الديمقراطية ذاتها موضع شك، بل لأن الثورة لا تكتمل بإسقاط النظام، وإنما ببناء المؤسسات التي تحمي القرار الرشيد من التزلف للثوار، وتحول دون تكرار الدرس الذي دفع سقراط حياته لأجله.
وليست هذه الهواجس افتراضاً نظرياً مجرداً، فثمة وقائع سودانية عدة تُنبئ عن نزعة العقل الحاكم إلى التودد للجماهير على حساب المصلحة العليا. فقرار إلغاء تعيين السفير إدريس وكيلا لوزارة الخارجية، إثر حملة “تواصل اجتماعي” لم تعترض على كفاءته أو مهنيته، بل على انتمائه السياسي أيام الجامعة، هو نموذج صارخ لتقديم الإرضاء الآني على معيار الجدارة؛ فالكفاءة هنا لم تُقايض بكفاءة أخرى، بل بصخب رقمي عابر أُريد له أن يكون بديلاً عن التقييم المهني الرصين. وقرار القائد العام بإحالة عدد من أفضل ضباط الجيش والشرطة وجهاز الأمن، استجابة لضغوط داخلية وخارجية طالبت بتصفية وجود الإسلاميين من مرافق الدولة، يكرر المشهد ذاته بثوب مؤسسي أخطر، إذ يمس جوهر الاحتراف العسكري والأمني في دولة تخوض حربا وجودية، ويُقايض الخبرة القتالية بحسابات سياسية آنية.
إن التجريف الذي طال الخدمة المدنية بدعوى “إزالة التمكين”، أورث الجهاز البيروقراطي طبقة هشة امتدت، على نحو مدهش، إلى قمة الجهاز التنفيذي في حكومة السيد كامل إدريس. ويكفي استحضار الحجج الواهية التي ساقها وزير الإعلام في أحد حواراته مع قناة الجزيرة للتدليل على هذا الترهل. لكن الأسوأ فيما رشح من أخبار هو غموض حيثيات منح بنك السودان رخصة تحويل مالي لشركة “عسجد”، ثم الإلغاء الذي جاء دون تفسير علني، ودون تقديم الموظف المسؤول عن الخطأ إلى المحاسبة؛ فالمساءلة، لا الاستجابة السريعة للضجيج، هي المعيار الذي يميز الدولة المؤسسية عن الدولة التي تُدار بردود الأفعال. وحين تتكرر هذه الأنماط (تعيين وإقالة، تطهير وتفريغ، منح وسحب) دون معايير معلنة ولا مساءلة تالية، فإننا لا نشهد إصلاحا، بل استبدال شكل من التزلف بشكل آخر، وتأجيلا لمواجهة السؤال الأصعب: من يحكم، ولأي غاية، ووفق أي معيار؟
وثمة مشهد أقرب إلى الكوميديا السوداء في الحالة السودانية، يدركه المحلل المتبصر: فبعد الخامس عشر من أبريل 2023، وما جلبه من خراب، تنبه كثير من العقلاء إلى أن ما تحتاجه الدولة المنهارة، في تلك اللحظة بالذات، هو تقديم “قوة الحاكم” المتمثلة في الجيش والأجهزة الأمنية على أشواق الديمقراطية المؤجلة. تماما كما تنبأ سقراط قبل أكثر من ألفي عام: أن فوضى النموذج المعيب تدفع الناس إلى القبول بالقوي كبديل ناجز عن الانتخاب المتعثر.
كان من المفترض، وفق هذا المنطق نفسه، أن تلتقط قيادة الجيش هذه اللحظة وتستثمرها في إصلاح الفوضى التي ضربت جهاز الدولة فتكون “الربّان” الذي يستعيد دفة السفينة بالمعرفة لا بالمداهنة. لكن المفارقة المؤسفة أن قيادة الجيش نفسها ظلت أسيرة الهوس ذاته بالتزلف للثوار، فلم تستثمر شرعية “القوة” التي مُنحت لها اضطرارا. والأدهى أن شبكات فساد أحكمت قبضتها على العطاءات الحكومية، نجحت فيما عجزت عنه المعارضة السياسية: ترويض قيادة الدولة وتدجينها، حتى غدت عاجزة عن الأمرين معا: توفير الديمقراطية التي وُعد بها الثوار، وحسم الفوضى الذي بُرر به تأجيلها. وهنا تكتمل السخرية: فالمشهد الذي كان يمكن أن يكون تفنيدا عمليا لتشاؤم سقراط، تحول إلى تصديق مضاعف له، حين أثبت أن “القوي” قد يكون هو الآخر أسير التزلف والفساد معا، فيخسر الوطن الرهانين في آن واحد.
انقدحت في ذهني هذه الخاطرة وأنا أقرأ رسائل التهنئة بعيد ميلادي، فبين حرف يهنئ وآخر يدعو، وجدت نفسي أعقد المقارنة بين فرح شخصي عابر وقلق وطني ممتد؛ ولعل هذا هو قدر جيل تفتّحت عيناه على ثورة، فصار عيد ميلاده موعدا سنويا لمراجعة حساب الوطن قبل حساب العمر. فشكرا للأحبة الذين عطروا يومي بمشاعر الحب والإخاء، وعذرا لهذا الهاجس الذي لا يفارقني حتى في يوم يُفترض أن يكون خالصا للفرح.
اللهم لك الحمد على نعمك وآلائك التي لا تُحصى، ونسألك فرجا وفتحا على سوداننا وبلاد المسلمين.



