تقارير

ألف ليلة وليل “كموج البحر أرخى سدوله علينا”

المحقق – محمد عثمان آدم
مرّت اليوم ألف ليلة وليلة منذ اندلاع الحرب في السودان و هي قطعاً ليست ألف ليلة وليلة من ليالي الملك شهريار تتزوجه شهرزاد، نهايتها سعيدة بزواج الملكة من الملك إلا أن أهوالها هي هي لا تُحصى، وخسائرها لا تُعد. مع ذلك، أظهر الشعب السوداني قدراً من المثابرة والصمود أثار إعجاب الكثيرين. ذلك أن المجتمع السوداني و رغم الهزات العنيفة الثقال أثبت قدرة على مواجهة الكوارث والصمود في وجهها، وتمسكاً بقيمه الأساسية.

ومع ذلك، فمن يضمن عدم امتداد هذه الحرب إلى الدول المجاورة؟ ما المانع أن تتحرك القوى الأجنبية التي ازكت فتيل القتال ، محبطةً من صمود السودانيين، لتقحم دولاً أخرى في المنطقة فيها؟؟ ليس عبر المساعدة وتسهيل تهريب الأسلحة، بل بالمشاركة المباشرة في الصراع؟ ماذا لو امتدت الحرب إلى الدول المجاورة التي لكل منها نقطة ضعفها – و كم من كاحل أخيلي و كم من ثغرات؟

ألف يوم و يوم من الصبر ننقل فيما يلي بعض التعليقات التي أدلى بها مختصون و هي تفصل فيما أجملناه أعلاه، و تدعو إلى تدارك الأمر الآن و تفادي التهاون فيه حتى لا يتمدد ويشمل الجيران والمنطقة، وقد كُتبت هذه التعليقات ونُشرت بمناسبة مرور 1000 يوم علي الحرب في السودان:

-كاميرون هدسون:

ذكر كاميرون هدسون في حسابه على منصة إكس (X) أن الكثيرين، بمن فيهم هو، حذروا من أن الصراع في السودان سيستغرق سنوات لحله إذا لم يُوقف فوراً. عند انطلاقه قبل ألف يوم و يوم: صدقت كل التوقعات بشأن تقلبات هذا الصراع: فكل دولة مجاورة وقوة إقليمية متورطة فيه الآن؛ إنه أعنف صراع في العالم. صراعٌ يتجاوز حدودها، وقد بات ذا طابعٍ عرقي متزايد.
وعلى الرغم من بعض المؤشرات الصادرة من واشنطن على أن السودان سيحظى بأولويةٍ أعلى، إلا أن الولايات المتحدة لا تزال منشغلةً بصراعاتٍ جديدة (فنزويلا- وأخرى ذات أولويةٍ أعلى -أوكرانيا) ولا تزال الاستجابة اليومية تُدار بطريقةٍ ارتجاليةٍ وغير استراتيجية. والأهم من ذلك، مع احتدام التنافس الإقليمي في البحر الأحمر -اليمن- يصبح حلّ الأزمة السودانية بمعزلٍ عن غيرها أكثر صعوبةً، إذ باتت عالقةً في صراعٍ أوسع على النفوذ بين دولٍ إقليمية، وهو صراعٌ لا يمثل أولوية للولايات المتحدة فهي أقل رغبةً في حلّه دون الانحياز لأحد الأطراف، مما يُعرّض للخطر صفقاتٍ تجاريةً واستثماريةً مُربحةً مُتوقعة، أو يُقوّض شراكاتٍ استراتيجيةً توليها أمريكا أهميةً أكبر.

ورسم المحلل و الخبير الأمريكي صورة قاتمة للعام الحالي إلا أنه عبر عن أمله أن يكون مخطئا في ما رسم إذ يقول:
“بعد ألف يومٍ من الحرب، ومع بداية عامٍ جديد، أجد صعوبةً في تصوّر انتهاء هذه الحرب في عام 2026. لا أرى قوات الدعم السريع تُحلّ، ولا أرى عودةً واسعةً للمدنيين، ولا أرى استقرارًا اقتصاديًا، ولا أرى تحسّنًا يُذكر في المؤشرات الإنسانية. لا أرى حكومة انتقالية تتشكل. ما أراه هو مزيد من الصراع، ومزيد من تآكل ما تبقى من الدولة، ومزيد من الاقتتال الداخلي والقتال العرقي، ومزيد من التهديدات للشعب والمنطقة”.
واختتم حديثه قائلاً: “آمل أن أكون مخطئاً”.

الأمم المتحدة:
في غضون ذلك، نشرت الأمم المتحدة تقريراً بمناسبة مرور ألف يوم على اندلاع الصراع في السودان، مشيرةً إلى أن هذه الذكري شهدت مقتل ثلاثة عشر شخصاً آخرين – بينهم أطفال – في غارة جوية بطائرة مسيرة على منطقة شمال كردفان السودانية، تزامن مع اليوم الألف.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إن هذه الخسائر الأخيرة في الأرواح تأتي وسط تصاعد العنف، لا سيما في جميع أنحاء كردفان، مما يُعرّض المدنيين لخطر شديد ويؤدي إلى نزوحهم.
وقد أُفيد عن وقوع المزيد من الضحايا بعد غارات جوية بطائرات مسيّرة استهدفت مناطق في بؤرة أزمة الجوع في السودان، شمال دارفور، يوم السبت، قبل أيام قليلة من بلوغ البلاد عتبة الألف يوم من القتال الدامي.

وأشار السيد دوجاريك، نقلاً عن المنظمة الدولية للهجرة، إلى أن العنف أجبر نحو ألف شخص على الفرار من إحدى مناطق جنوب كردفان بين 31 ديسمبر و4 يناير. كما نزح نحو ألفي شخص من منطقة في شمال كردفان، وبالتالي، بلغ إجمالي عدد النازحين في إقليم كردفان حوالي 65 ألف شخص منذ نهاية أكتوبر وحتى نهاية ديسمبر.

وأضاف: “أدت الحرب الوحشية، التي استقطبت قوى خارجية وزعزعت استقرار العديد من دول المنطقة، إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، حيث بلغ عدد النازحين أكثر من 12 مليون شخص”، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإنّ “النازحين” هم من سكان المناطق المتضررة.

وجدد السيد دوجاريك دعوته إلى وقف فوري للأعمال العدائية وحماية المدنيين، فضلاً عن ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل سريع وآمن ومستدام.
في غضون ذلك، تُساعد وكالات الأمم المتحدة في تحسين الظروف المعيشية في العاصمة الخرطوم، مع عودة العائلات لإعادة بناء حياتها بعد استعادة القوات الحكومية السيطرة عليها من قوات الدعم السريع العام الماضي.

منظمة غير حكومية و غير أممية:

في تلك المناسبة أعربت منظمات غير حكومية، بما فيها لجنة الإنقاذ الدولية، عن أملها أن تتوقف الحرب إذ أصدرت لجنة الإنقاذ الدولية، وهي منظمة خيرية تعمل في السودان، تقريرًا يُعرب عن أسفها لتدهور الأوضاع مع دخول الحرب يومها الألف، الموافق 15 أبريل 2023، و9 يناير 2026
وأشار التقرير إلى أن الحرب “تحولت إلى كارثة إنسانية شاملة، تتسم بالنزوح الجماعي، والمجاعة، والعنف المستشري”.

وأوضح التقرير أن الأنظمة الصحية في جميع أنحاء البلاد قد انهارت، ودُمرت شبكات الصرف الصحي والمياه، وتفشت الأمراض في مواقع النزوح المكتظة وأن الاحتياجات الإنسانية تتجاوز الموارد المتاحة بكثير. وبدون زيادة كبيرة في التمويل وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ستُزهق المزيد من الأرواح وتُدمر المجتمعات.

“ألف يوم من الحرب هي ألف يوم من الفشل. بعد خمسين ساعة من القيادة عبر دارفور، شهدتُ تقاطعًا صارخًا: سيول من الناس الفارين من الصراع وقوافل المساعدات الإنسانية تتجه نحو بعضها البعض عبر أرضٍ قاحلة مليئة بالصعوبات والعنف.” هكذا عبّر مسؤول المنظمة عن أسفه.
“شاهدتُ عائلاتٍ تفرّ جنوبًا حاملةً ما استطاعت حمله، وفي الوقت نفسه رأيتُ فرقنا تشقّ طريقها شمالًا عبر ممرات جبلية للوصول إليهم وتقديم الرعاية الصحية والمياه النظيفة والمساعدات النقدية،” وفقا للسيد بوب كيتشن، نائب رئيس قسم الطوارئ في لجنة الإنقاذ الدولية، الذي زار دارفور مؤخرًا.
“أصبحت الفاشر، التي كانت موطنًا لأكثر من مليون نسمة، رمزًا قاتمًا لتدهور السودان. أولئك الذين تمكنوا من الفرار إلى الطويلة وصفوا لعمال الإغاثة في لجنة الإنقاذ الدولية عنفًا جنسيًا واسع النطاق، وإعدامات، وتجنيدًا قسريًا، وفصلًا للأطفال عن ذويهم أثناء رحلات الهروب.
“في طويلة، وزلنجي، والجنينة، التقيتُ بأناسٍ نجوا من أهوالٍ لن يشهدها معظم العالم، ومع ذلك ما زالوا مصممين على إبقاء عائلاتهم على قيد الحياة.” تُعدّ لجنة الإنقاذ الدولية من أكبر الجهات المُقدّمة للخدمات الإنسانية في هذه المناطق، حيث تدعم أكثر من نصف مليون شخص نزحوا مرارًا وتكرارًا بسبب العنف المُستمر.
“مع اقترابنا من هذه المرحلة الكارثية، لا يجوز للعالم أن يُغضّ الطرف. لقد دفع المدنيون الثمن الأغلى لنزاع لم يختاروه، وهم بحاجة إلى تحرّك دولي حاسم، ووصول إنساني غير مُقيّد، وزيادة التمويل، وضغط دبلوماسي حقيقي على من يُؤجّجون هذه الأزمة. يستحق شعب السودان الأمان والكرامة وفرصة إعادة بناء حياتهم.”

وأضاف التقرير أن التمويل الإنساني قد انهار بنسبة 50%، تاركًا الملايين دون المساعدة اللازمة للبقاء على قيد الحياة.
وحثّت لجنة الإنقاذ الدولية على اتخاذ إجراءات دولية فورية ومستدامة، تشمل زيادة التمويل الإنساني، وضمانات المرور الآمن للمدنيين، وممارسة ضغوط دبلوماسية على جميع الأطراف لمنع المزيد من الخسائر في الأرواح ودعم سبل السلام، وفقًا لما جاء في التقرير.

باحث دولي في موقع إخباري عربي:
كتب الدكتور ماجد رافي زاده، وهو عالم سياسة إيراني أمريكي حاصل على شهادة دكتوراة من جامعة هارفارد، في موقع إخباري عربي- اراب نيوز- بعنوان “حل الحرب في السودان يجب أن يأتي على رأس الأولويات”، أن الصراع السوداني لا يُعدّ فقط من أخطر الأزمات التي تواجه المجتمع الدولي، بل هو أيضًا من أكثرها إهمالًا.
وأشار إلى أن ما بدأ كصراع على السلطة بين النخب العسكرية المتنافسة قد يؤدي إلى انهيار شامل للسلطة السياسية والتماسك الاجتماعي والحياة الاقتصادية. إضافةً إلى ذلك، أصبحت الحرب عاملًا مزعزعًا للاستقرار الإقليمي وخطرًا عالميًا كامنًا.
وحذّر في مقال نُشر في صحيفة “عرب نيوز”، أول صحيفة ناطقة باللغة الإنجليزية في السعودية، من أنه إذا استمر المجتمع الدولي في تجاهل حرب السودان أو عدم اعتبارها أولوية، فإن خطر تحوّل البلاد إلى دولة منقسمة بشكل دائم سيتزايد، مع ما يترتب على ذلك من عواقب ستتردد أصداؤها في جميع أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط وخارجهما. ونظرًا لحجم الصراع ومدته وطبيعته المنهجية، فإنه يتطلب استجابة دولية أكثر قوة وانخراطًا إنسانيًا مستدامًا.
لقد بلغت التداعيات الإنسانية للحرب مستويات غير مسبوقة. إذ يواجه قطاع كبير من السكان انعدامًا مزمنًا للأمن، ليس فقط بسبب العنف، بل أيضًا بسبب انهيار الأنظمة الأساسية اللازمة للبقاء. فقد انهارت شبكات إنتاج وتوزيع الغذاء، مما أدى إلى انتشار الجوع وظهور ظروف شبيهة بالمجاعة في مناطق متعددة.
بالإضافة إلى ذلك، دُمّرت البنية التحتية للرعاية الصحية أو أصبحت غير متاحة. وقد أدى ذلك إلى تفاقم الأمراض التي لم تكن تُعالج سابقًا.
تحوّلت حالاتٌ قابلةٌ للعلاج إلى حالاتٍ تُهدّد الحياة، وساهمت في انتشار الأمراض المعدية.
علاوةً على ذلك، توقفت أنظمة التعليم عن العمل تقريبًا في العديد من المناطق، مما حرم جيلًا كاملًا من الأطفال من التعليم، وهو ما يُرجّح أن يُخلّف أضرارًا تنمويةً طويلة الأمد في مستقبل السودان.

ونبّه إلى ضرورة النظر إلى ما هو أبعد من الأضرار المادية والحرمان، فالحرب قد مزّقت النسيج الاجتماعي نفسه. ونشهد كيف أضعف النزوح والاستهداف العرقي وانعدام الأمن المُستشري الثقة المجتمعية وقوّض آليات التكيّف التقليدية.

وأضاف: “كلما طالت هذه الظروف، ازدادت صعوبة التوصل إلى حلّ للحرب، وعرقلت التعافي بعد النزاع، نظرًا لفقدان رأس المال البشري وتضرر الروابط الاجتماعية بشكلٍ لا يُمكن إصلاحه”.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي تجاهل التداعيات الإقليمية لحرب السودان، فهي لا تقلّ خطورةً وتتزايد وضوحًا.
وأشار بوضوح إلى أن عدم الاستقرار في السودان له تداعيات استراتيجية على أمن البحر الأحمر، وسياسات حوض النيل، وطرق التجارة الإقليمية. وهذا يربط النزاع بمخاوف جيوسياسية أوسع نطاقاً تشمل الشرق الأوسط والتجارة البحرية العالمية. لذا، لا ينبغي النظر إلى الحرب السودانية على أنها نزاع أهلي معزول.

باختصار، ينبغي أن يكون حلّ الحرب في السودان على رأس أولويات المجتمع الدولي لعام 2026 فاستمرار الإهمال الدولي يُنذر بترسيخ حالةٍ من الانهيار التام للدولة، مع عواقب تتجاوز حدود السودان. ينبغي أن نولي مزيداً من الاهتمام للمعاناة الإنسانية الجماعية، والانهيار المؤسسي، وعدم الاستقرار عبر الحدود.

و يظل الامل عند غمار الناس و ضحايا الحرب أن يكون انجلاء الليل بإصباح أفضل وأمثل مضاد لقول شاعرهم
وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحرِ أَرخى سُدولَه عَلَيَّ بِأَنواعِ الهُمومِ لِيَبتَلي
فَقُلتُ لَهُ لَمّا تَمَطّى بِصُلبِهِ وَأَردَفَ أَعجازاً وَناءَ بِكَلكَلِ
ألا أيها اليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الاصباح منك بأمثل” في

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى