تقارير

مبادرة سودانية – أسترالية لتعزيز الصحة النفسية.. شراكة إنسانية تتجاوز حدود الحرب

 

كانبرا – المحقق

في مبادرة إنسانية نوعية تعكس عمق التعاون بين السودان وأستراليا،  أطلقت حكومة ولاية جنوب أستراليا مشروعًا لتعزيز الصحة النفسية يستهدف الأطفال والشباب والأسر السودانية سواء داخل السودان أو في أوساط الجالية السودانية المقيمة في الولاية و التي تأثرت بتداعيات الأزمة الإنسانية في السودان جراء التمرد الذي قامت به مليشيا الدعم السريع؛ وتبرز أهمية هذه المبادرة باعتبارها تستجيب لأحد الجوانب الإنسانية التي كثيرًا ما تتراجع أمام أولوية الاحتياجات المادية في أوقات النزاعات، وهي الصحة النفسية وآثار الصدمات على الأطفال والشباب والأسر.

 

تعاون بين السفارة والجالية:

 

وقد جاءت المبادرة ثمرة تعاون وتنسيق بين سفارة جمهورية السودان لدى أستراليا، والجالية السودانية في ولاية جنوب أستراليا، وحكومة الولاية والجهات الصحية والمجتمعية المختصة، في نموذج يعكس قدرة المؤسسات السودانية والأسترالية على تقديم مبادرات عملية تخدم الإنسان السوداني، وقد اضطلعت سفارة جمهورية السودان لدى أستراليا بدور مهم في دعم المبادرة وتسهيل التنسيق بين الجالية السودانية والجهات الحكومية والصحية في السودان، و ذلك في إطار اهتمام السفارة بأوضاع أبناء الجالية السودانية، وحرصها على أن تكون قضاياهم واحتياجاتهم موضع اهتمام المؤسسات الأسترالية، إلى جانب سعيها إلى بناء شراكات تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي لتشمل المجالات الإنسانية والصحية والمجتمعية.

 

ويقول أحمد صلاح بيومي، القائم بأعمال سفارة السودان بالانابة، إن هذه المبادرة جاءت تماشيا مع موجهات السياسة الخارجية للسودان وتوجيهات وزارة الخارجية السودانية لتفعيل الدبلوماسية الشعبية في خدمة قضايا الوطن، حيث يعكس هذا الدور مفهومًا متقدمًا للعمل الدبلوماسي يقوم على خدمة المواطن السوداني وبناء جسور التعاون مع مؤسسات الدولة المضيفة، وتحويل العلاقات الثنائية إلى شراكات ذات أثر مباشر على حياة الناس.

 

إشادة بالجالية وحكومة الولاية:

 

و أضاف بيومي إن أبناء الجالية السودانية في جنوب أستراليا يستحقون إشادة خاصة لدورهم الفاعل في المبادرة، حيث شارك عدد من الكفاءات السودانية في تحديد الاحتياجات وإعداد وتصميم المحتوى التوعوي للمشروع، الأمر الذي يؤكد أن الجالية السودانية في أستراليا تمثل طاقة مجتمعية كبيرة وأن أبناءها قادرون على المبادرة والعمل المنظم والتعاون مع المؤسسات الحكومية الأسترالية لمعالجة قضايا تمس حياة السودانيين.

 

كما أشاد القائم بالأعمال بالانابة بالاهتمام الذي أبدته حكومة ولاية جنوب أستراليا والجهات الصحية المختصة ومكتب كبير الأطباء النفسيين ووزارة شؤون التعددية الثقافية والتعاون لتلبية احتياجات المجتمع السوداني في الولاية والذي يمثل تعبيرًا عمليًا عن قيم التعددية الثقافية التي تقوم عليها التجربة الأسترالية، وعن أهمية أن تعمل المؤسسات الحكومية مع الجاليات المختلفة لفهم احتياجاتها وتقديم الخدمات التي تراعي خصوصيتها الثقافية واللغوية، ويؤكد أن العلاقات بين الشعوب لا تبنى فقط من خلال العلاقات الرسمية، وإنما كذلك من خلال المبادرات الإنسانية التي تضع الإنسان في مقدمة الأولويات.

 

 طبيعة المشروع:

 

يتضمن المشروع إنتاج أربعة مقاطع فيديو باللغتين العربية والإنجليزية، تتناول موضوعات الصحة النفسية وآثار الصدمات والحرب على الأطفال والشباب والأسر، وتهدف هذه المواد إلى رفع مستوى الوعي بالصحة النفسية، وتشجيع الحوار داخل الأسرة والمجتمع، والحد من الوصمة المرتبطة بطلب الدعم النفسي والتعريف بالخدمات المتاحة للسودانيين في ولاية جنوب أستراليا، كما تحمل المقاطع رسائل أمل وصمود وتعافٍ، ويمكن أن تشكل مادة توعوية مفيدة للسودانيين في أستراليا، وللمجتمعات السودانية في الخارج، بل وللسودانيين داخل السودان متى ما تم توفير قنوات مناسبة لإيصالها.

 

ويرى مصممو المشروع أن الحاجة إلى التوعية بالصحة النفسية أصبحت أكثر إلحاحًا في السودان، في ظل الآثار التي خلفتها الحرب على ملايين المدنيين، ولهذا فإنهم يرون أن توسيع نطاق المبادرة إعلاميًا يمثل خطوة مهمة لتعظيم أثرها الإنساني، ومن هنا تبرز أهمية أن تتولى وزارة الثقافة والإعلام في السودان والمؤسسات والأجهزة الإعلامية السودانية التعريف بهذه التجربة، من خلال التقارير الصحفية والتلفزيونية والإذاعية، ونشر المواد التوعوية التي تم إنتاجها، وإجراء مقابلات مع المشاركين السودانيين والأستراليين في المشروع، كما أن الإعلام السوداني يستطيع أن يحول هذه المبادرة من تجربة محلية إلى رسالة وطنية تصل إلى الأسر والأطفال والشباب في مختلف أنحاء السودان، وتساهم في تعزيز الوعي بأن الصحة النفسية جزء أساسي من التعافي من آثار الحرب.

 

مشروع ثلاثي الأبعاد:

 

تقدم المبادرة نموذجًا إيجابيًا للعلاقات السودانية الأسترالية، إذ تجمع بين الدبلوماسية الرسمية، والعمل المجتمعي للجالية، والخبرة الصحية الأسترالية في مشروع واحد يخدم الإنسان، كما تفتح المجال أمام مزيد من التعاون في مجالات الصحة، والدعم النفسي، والتعليم، والخدمات الاجتماعية، ويمكن أن تشكل أساسًا لمبادرات مماثلة في ولايات أسترالية أخرى.

 

في وقت يواجه فيه السودان واحدة من أصعب الأزمات الإنسانية تأتي هذه المبادرة لتؤكد أن دعم الإنسان السوداني يمكن أن يأخذ أشكالًا متعددة، وأن التضامن لا يتوقف عند تقديم المساعدات المادية، فالكلمة الطيبة، والتوعية، والاستماع، وتوفير الدعم النفسي، وبناء جسور التعاون، كلها أدوات مهمة لمساعدة المجتمعات على الصمود والتعافي.

 

من مدينة اديلايد بولاية جنوب أستراليا تحمل هذه المبادرة رسالة واضحة: أن الإنسان السوداني، أينما كان، يستحق الدعم والرعاية، وأن التعاون بين السودانيين وشركائهم الأستراليين قادر على صناعة أثر حقيقي.

إنها مبادرة إنسانية بدأت من جنوب أستراليا، لكنها تحمل رسالة يمكن أن تصل إلى كل السودان: الصحة النفسية جزء من التعافي، والتضامن بداية للأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى