بين الإصلاح والإفساد في الأرض: قراءة إسلامية لما يجري في السودان

د. إسماعيل ساتي
حين يذكر القرآن الكريم “العمل الصالح”، يتبادر إلى أذهان كثير من الناس الصلاة والصيام والزكاة وسائر العبادات الفردية، وهي بلا شك من أعظم القربات إلى الله تعالى. لكن النظرة القرآنية أوسع من ذلك بكثير، إذ تجعل كل ما يحقق مصالح الناس ويحفظ أمنهم واستقرارهم ويمنع عنهم الفوضى والضرر داخلاً في دائرة العمل الصالح.
وفي المقابل، لا يقتصر الإفساد في الأرض على الجرائم الفردية أو المعاصي الشخصية، بل يشمل كل فعل يؤدي إلى تخريب حياة الناس، وتعطيل مصالحهم، وإشاعة الفوضى بينهم، وإهلاك الحرث والنسل. يقول الله تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)، ويقول سبحانه: (إِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ).
ومن يتأمل هذه الآيات يدرك أن الإسلام يقف إلى جانب كل ما يحفظ العمران البشري ويصون المجتمع ويحقق الأمن والاستقرار. ولذلك قرر العلماء أن من أعظم مقاصد الشريعة حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، وهي مقاصد لا يمكن أن تتحقق في ظل الفوضى أو انهيار مؤسسات الدولة.
ومن هنا يثور سؤال مهم: هل المحافظة على مؤسسات الدولة والدفاع عنها تدخل في باب العمل الصالح؟
إن مؤسسات الدولة ليست مقدسة، ولا هي معصومة من الخطأ، لكنها تمثل الأوعية التي تُدار من خلالها مصالح الناس. فالجيش يحمي البلاد ويحفظ سيادتها، والقضاء يحفظ الحقوق ويرفع المظالم، والشرطة تصون الأمن، والخدمة المدنية تدير شؤون المواطنين، والتعليم يؤهل الأجيال القادمة، وسائر المؤسسات العامة تقوم على خدمة المجتمع وتحقيق مصالحه.
ولهذا فإن السعي إلى إصلاح هذه المؤسسات وتقويتها وتطويرها يعد عملاً صالحاً، لأنه يحقق منافع عامة للناس ويحفظ استقرارهم وأمنهم. أما السعي إلى هدمها أو تفكيكها أو إضعافها دون وجود بديل قادر على أداء وظائفها، فإنه يؤدي في الغالب إلى الفوضى والاقتتال وضياع الحقوق وتعطيل المصالح، وهي نتائج تدخل في معنى الإفساد في الأرض.
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى حين قال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه». والإتقان لا يقتصر على عمل الفرد في متجره أو وظيفته، بل يشمل بناء المؤسسات وإدارتها والمحافظة عليها حتى تؤدي رسالتها على الوجه الأكمل.
كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». فإذا كان دفع الضرر عن فرد واحد من أعمال البر، فإن حماية المؤسسات التي تحفظ أمن الملايين ومصالحهم أولى بأن تكون من العمل الصالح.
ولذلك فإن الإسلام يفرق بين الإصلاح والهدم. فالإصلاح مطلوب ومأمور به، أما الهدم فليس إصلاحاً بالضرورة. وقد يختلط الأمر على بعض الناس فيظنون أن إزالة الخطأ لا تكون إلا بإزالة المؤسسة كلها، مع أن الحكمة تقتضي معالجة الخلل مع المحافظة على الأصل النافع.
فلو وقع فساد في القضاء فالعلاج يكون بإصلاح القضاء لا بإلغاء القضاء. ولو وقع فساد في التعليم فالعلاج يكون بإصلاح التعليم لا بهدم المدارس والجامعات. ولو وقع انحراف في الجيش فالعلاج يكون بإصلاح الجيش لا بإلغاء المؤسسة العسكرية نفسها أو إحلال أخرى مكانها.
ومن هنا نستطيع أن نفهم جانباً من الأزمة السودانية الراهنة.
فقد ظهرت خلال السنوات الأخيرة دعوات سياسية وعسكرية وإعلامية مختلفة تستهدف مؤسسات الدولة السودانية، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، بحجة أن بعض هذه المؤسسات واقعة تحت نفوذ تيار سياسي معين أو متأثرة به. ووصل الأمر عند بعض القوى إلى المطالبة بإعادة بناء مؤسسات الدولة من الصفر أو السعي إلى إضعافها سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً.
غير أن السؤال الجوهري يظل قائماً: لو افترضنا جدلاً أنه كانت هناك اختراقات أو أخطاء أو هيمنة سياسية داخل مؤسسة ما، فهل يكون العلاج بإصلاحها أم بتدميرها؟ وهل يُعالج المرض بقتل المريض؟
إن المنهج الإسلامي والعقل السياسي السليم يفرقان بين مقاومة الخطأ وبين هدم الكيان الذي وقع فيه الخطأ. فالخلل يُعالج، والانحراف يُصحح، والفساد يُقاوم، لكن المحافظة على المصالح العامة تبقى واجباً شرعياً وأخلاقياً ووطنياً.
والتجارب المعاصرة تقدم دروساً بليغة في هذا المجال. فقد أدى تفكيك مؤسسات الدولة في عدد من البلدان إلى فراغ أمني وسياسي خطير، وتحولت شعارات التحرير والتغيير إلى فوضى وصراعات استمرت سنوات طويلة، دفعت الشعوب ثمنها من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها.
وفي السودان نفسه ينبغي أن ننظر إلى بعض الوقائع من هذا المنظار. فالتعليم القومي والجيش القومي والقضاء القومي والعملة القومية والامتحانات القومية، ليست مجرد إجراءات إدارية، وإنما تمثل في جوهرها رموزاً عملية لوحدة الدولة ووحدة المجتمع. وعندما تبدأ جهات مختلفة في إنشاء مؤسسات موازية لهذه المؤسسات، فإن النتيجة الطبيعية تكون الانتقال من دولة واحدة إلى سلطات متعددة ومتنازعة.
ومن هذا الباب يمكن النظر إلى ما أثير حول سعي ما يسمى بـ”حكومة تأسيس” إلى تنظيم امتحانات الشهادة الثانوية بصورة موازية للامتحانات التي تشرف عليها المؤسسات الرسمية للدولة. فالقضية هنا ليست قضية امتحانات في حد ذاتها، وإنما قضية شرعية المؤسسة ووحدة النظام التعليمي ووحدة الدولة. فإذا كانت هناك سلطة تعليمية قومية مسؤولة عن الامتحانات في السودان، فإن إنشاء مسار موازٍ يؤدي الوظيفة نفسها في مناطق النزاع لا يكرس وحدة البلاد، بل يرسخ الانقسام المؤسسي ويؤسس لواقع تتعدد فيه السلطات والمرجعيات الوطنية.
وهنا يحضر إلى الذهن درس قرآني عظيم في قصة مسجد الضرار. فالمشكلة لم تكن في بناء مسجد، فالمساجد كلها خير في أصلها، وإنما في إنشاء كيان موازٍ أريد به الإضرار بالجماعة وتمزيق وحدتها ومنازعة بنيانها القائم. والعبرة في هذه القصة ليست بالأبنية، وإنما بالمقاصد والنتائج.
ولذلك فإن التشابه هنا ليس في الأشخاص ولا في الوقائع، وإنما في الفكرة نفسها: إنشاء كيانات موازية للمؤسسات الجامعة بما يؤدي إلى إضعاف الوحدة العامة وتمزيق الجماعة الوطنية.
وفي النهاية، فإن الحكم على الأفعال لا يكون بالشعارات التي ترفعها، وإنما بالنتائج التي تفضي إليها. فكل عمل يحفظ السودان ووحدته وأمنه ومؤسساته ومصالح شعبه هو أقرب إلى العمل الصالح الذي يحبه الله. وكل عمل يؤدي إلى تفكيك الدولة وإضعاف مؤسساتها وتمزيق المجتمع وإشاعة الفوضى هو أقرب إلى الإفساد في الأرض، مهما حسنت النوايا أو ارتفعت الشعارات.
وفي زمن الفتن تختلط الشعارات بالحقائق، وتضيع الحدود بين الإصلاح والهدم، لكن الميزان الذي يقدمه القرآن يظل واضحاً: كل ما يحفظ الدين والنفس والمال والأمن ووحدة المجتمع فهو أقرب إلى الصلاح، وكل ما يفضي إلى الفوضى والاقتتال وتمزيق الأوطان وإضعاف مؤسساتها فهو أقرب إلى الإفساد في الأرض. وبين هذين الطريقين يقف السودان اليوم أمام اختبار تاريخي لا يتعلق بمصير حكومة أو جماعة أو حزب، بل بمصير دولة ووطن وأمة بأكملها.



