معوقات الحوار الوطني الشامل فى الكنغو

السفير عطا المنان بخيت
الصراع الدامي في جمهورية الكنغو الديمقراطية يشكل تحديا حقيقيا لدول منطقة البحيرات الكبرى، ولشرق وجنوب أفريقيا عامة، فهو صراع ممتد منذ أكثر من ثلاثين عاما، لا يكاد يهدأ حتى يتجدد مرة أخرى وبشكل أكثر دراماتيكية وعنفا.
ويعود الإهتمام الإقليمي والدولي بهذه المنطقة لأنها تمثل أكبر مخزون عالمي للمعادن النادرة، وثروات باطن الأرض، التى تلهث ورائها كبريات الشركات العالمية، مما يجعل من الثراء نقمة كبيرة بدلا من أن يكون نعمة على أهله وعلى البشرية عامة.
فى مطلع هذا العام قررت حكومة الجارة أنجولا طرح مبادرة للحوار الوطني الشامل فى الكنغو الديمقراطية، حوار لا يستثني أحداً من الفاعلين في الميدان السياسي والعسكري الكنغولي. المبادرة تبناها الرئيس الأنجولي جواوو لورانسو بتفويض من الإتحاد الأفريقي، الذى عهد إليه تولي ملف الأزمة المتطاولة فى الكنغو الديمقراطية، وانضم إلى المبادرة الكنيسة الكاثولوكية الكنغولية والتي تقود منذ سنوات جهوداً متواصلة لتحقيق الأمن والإستقرار في البلاد.
لم يقدم الشركاء تفصيلا وافيا للمبادرة الجديدة، ولكن الرئيس الأنجولي رسم ملامح عريضة للمبادرة السلمية والتي يريدها شاملة لا تستثني أحداً، وأن لا تتعارض مع المبادرات السابقة والمهمة مثل تلك التى تقوم بها حكومة دولة قطر والتى جمعت المعارضة المسلحة ممثلة فى تجمع نهر الكنغو وحركة أم 23 من جهة وحكومة الكنغو الديمقراطية من جهة أخرى، أو مبادرة الولايات المتحدة الأمريكية والتي نجحت في توقيع إتفاق واشنطن الذي وقع عليه الرئيس الكنغولي فليكس تشسيكيدي والرئيس الرواندي بول كاغامي في خواتيم العام الماضي، ويبدو أن الإتفاق لم يصمد على الأرض كثيراً.
ولكن حكومة الكنغو الديمقراطية ممثلة في الرئيس تشيسيكيدى نفسه، تدخلت فجأة لتعبر عن موقف مثير للتساؤلات بشأن مشروع الحوار الشامل الذى تتبناه أنجولا والكنيسة الكاثلوكية، ففى نهاية الأسبوع الماضي، وبمناسبة لقائه بأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين لدى كنشاسا، تناول الرئيس الكنغولي موضوع الحوار الوطني الشامل، مؤكدا ترحاب بلاده بكل خطوات المصالحة، ولكنه وضع شروطا صارمة لقبول مبادرة الحوار الشامل، تمثلت فى ثلاثة شروط أساسية. أولها أن يجرى الحوار الوطني داخل البلاد وليس خارجها، والثاني أن يكون بإشراف مؤسسات الدولة الكنغولية المعترف بها، وأخيرا أن يحترم الحوار قرارات المؤسسات العدلية الكنغولية ولا يتجاوزها بأي حال. ولكن شروط الرئيس رغم وجاهتها تحتاج إلى توضيح لم يصدر من حكومة الكنغو حتى الآن،
فانعقاد الحوار داخل البلاد رغم أهميته يحتاج إلى ضمانات للمعارضين الموجودين في الخارج، حتى يستطيعوا المشاركة بأمان، لا سيما وأن بعض المعارضين مثل الرئيس السابق جوزيف كابيلا محكوم عليه بالإعدام من قبل المحاكم المحلية، بالرغم من أنه ما يزال ناشطاً في المعارضة في الخارج وله أتباع كثر فى الداخل، وينطبق ذلك أيضا على قادة المعارضة المسلحة في شرق الكنغو. كما أن شرط إشراف مؤسسات الدولة الكنغولية على الحوار، يطرح سؤالاً عن الدور الذى يمكن أن تلعبه أنجولا وهى صاحبة المبادرة، أو دور الكنيسة الكاثلوكية المستمر منذ سنوات لتحقيق السلام. هذه أسئلة ملحة لم تجاوب عليها حكومة الكنغو بعد.
العقبة الكبرى الأخرى التي تواجه مبادرة أنجولا، هى رسم الحدود بينها وبين مبادرة الدوحة ومبادرة واشنطن، لاسيما وأن كلا المبادرتين قد قطعت شوطا كبيرا وحققت قدر لا بأس به من النجاح. والمعلوم أن مبادرة الدوحة خصصت للحوار بين الحكومة الكنغولية والحركات المسلحة الأكثر تأثيرا وهى حركة أم 23 وهى كبرى الحركات المسلحة بإمتياز، وإنضم اليها تحالف نهر الكنغو وهو تجمع سياسي عسكري يضم شخصيات سياسية وازنة فى وسط المعارضة الكنغولية, وحققت مبادرة الدوحة نجاحا مهما وماتزال مستمرة، فهل ستدمج مخرجات مبادرة الدوحة ضمن أجندة الحوار الكنغولى الشامل، لا توجد إجابة على ذلك بعد.
أما مبادرة واشنطن فقد صوبت جهودها أساسا لمعالجة جذور الصراع وهو الخلاف المحتدم لدرجة العداء السافر، بين الكنغو الديمقراطية ورواندا، ونجحت واشنطن بالترغيب والترهيب فى جمع الرئيسين فليكس تشيسيكيدى وبول كاغامى فى واشنطن والتوقيع مجبرين على إتفاق مصالحة، أثبتت الحقائق على الأرض أنه لم يصمد طويلا، ولكنه إتفاق مهم لأن وراءه قوة عالمية كبرى هى الولايات المتحدة الأمريكية. فهل ستضمن مخرجات إتفاق واشنطن فى جدول الحوار الوطني الكنغولي الشامل، ليس واضحا بعد.
الأيام القادمة ستوضح ما إذا كان مشروع الحوار الوطني الشامل سيفتح بابا جديدا لتسوية الصراع الدامي في البحيرات العظمى، أم أنه سيصطدم بصخرة الرفض من الأطراف المتشاكسة كما حدث لمبادرات كثيرة سابقة. وأيا كان الأمر فإن جميع الأطراف الكنغولية مسؤولة عن هذه الحرب الطاحنة التي أقعدت واحدة من أكثر الدول الأفريقية ثراءا فى الموارد، والتى تضيع كل يوم تحت أقدام المتصارعين من أجل مصالح شخصية. وكما يقول المثل الأفريقي عندما تتصارع الأفيال، تتحطم عبثا أشجار الغابة.



