الطريق إلى البرلمان

الوثيقة الدستورية التي وقعت في 2019 بين قوى الثورة ممثلة في الحرية والتغيير والمجلس العسكري، تنص على قيام جسم تشريعي في غضون تسعين يوماً من بداية الفترة .. وقد نصت على أن يكون التعيين هو الوسيلة لاختيار أعضاء ذلك البرلمان وقد أعطت الوثيقة الحرية والتغيير نسبة 67% من عضوية ذلك الكيان التشريعي .. أي نصيب الأسد … وإلى حين قيام الجمعية المقترحة وضعت مهمة التشريع على عاتق مجلسي السيادة والوزراء مجتمعين في غرفة واحدة … ولكن الذي حدث أن البرلمان لم يتم تكوينه بعد شهرين أو بعد سنتين … وفي نفس الوقت لم يمارس المجلسان المهام التشريعية كما ينبغي، لذلك انهدم ركن هام من أركان الحكم في تلك الفترة .. فغياب السلطة التشريعية يجعل السلطتين المتبقيتين وهما التنفيذية و القضائية في حالة يُتم .. السلطة التنفيذية تفقد الرقابة والتقويم والسلطة القضائية تفقد الأحكام التي تقوم بتطبيقها .. ليس هذا فحسب بل السلطة القضائية كان ينقصها مجلس القضاء العالي والمحكمة الدستورية … والسلطة التنفيذية انشغلت بأمور تأسيسية لا تحتملها فترة الانتقال ..
في تقديري إن إهمال البناء الدستوري في الفترة الانتقالية من الأسباب الرئيسة في عدم الاستقرار الذي لازم تلك الفترة فكانت النتيجة التطورات المؤسفة التي نسفت تلك الفترة وأدت إلى قيام الحرب في 15 أبريل 2023 , التي كادت أن تؤدي إلى نسف السودان نفسه لولا أن تدراكته العناية الإلهية ..
بالطبع الحرب خلقت واقعاً جديداً فكان تعديل الوثيقة الدستورية في 2025 ..وعلى نفس خطى الوثيقة الأصلية لعام 2019 أقرت المعدلة 2025 قيام مجلس تشريعي معين وأيضا أقرت قيام المجلسين السيادي والوزراء بمهام التشريع إلى قيام المجلس التشريعي … ولكن المعدلة لم تحدد تاريخ معين لقيام السلطة التشريعية كما فعلت الأصلية، ولكن الأهم أن المعدلة أسندت تعيين أعضاء المجلس التشريعي لمجلس السيادة بينما الوثيقة الأصلية إسندت التعيين لعدة جهات أهمها الحرية والتغيير بالاسم …
قبل عدة أسابيع رشحت أخبار، وإن شئت قل تسريبات، تقول بحل مجلس السيادة ولكن هذه التسريبات لم توضح إلى مَن سوف تذهب مهامه، هل إلى رئيس جمهورية يعينه المجلس مع قرار حله أم إلى المجلس التشريعي المرتقب ..
قوبلت فكرة حل مجلس السيادة بهجوم منظم خاصة من أطراف اتفاقية سلام جوبا فتم التخلي عنها ولو مؤقتاً… والآن برزت إلى السطح فكرة تكوين المجلس التشريعي وإن شئت قل المجلس النيابي .. فالفريق أول عبد الفتاح البرهان وبصفته السياسية أي كرئيس لمجلس السيادة عرض هذا الأمر على الكتلة الديمقراطية بصورة رسمية ولكنه لم يضعها في مكانة الحرية والتغيير التي كانت في الوثيقة الأصلية …لا أدري ربما كانت هذة الكتلة (تحت تحت) تسعى إلى أن تكون صاحبة الحل والعقد في ذلك المجلس المرتقب ..
المهم في الأمر أن موضوع المجلس التشريعي أصبح مطروحاً على مائدة النقاش فهناك مَن رحب به ترحيباً حاراً واعتبره ركنا من أركان البناء الدستوري وأنه سوف يضع الفترة الانتقالية في المسار الصحيح … وهناك من هاجم الفكرة واعتبرها تكريسا لحكم فرد أو جهة معينة وهي تلك ستقوم بتعيينه …وبالطبع هناك من ينتظر طبخة دولية تحدد المسار الداخلي وهذا سوف يعتبر المجلس المرتقب قاطعاً لطريق تلك الطبخة …والحال هكذا فلن نستبعد أن تصبح مسألة هذا المجلس جزءاً من اللعبة الإقليمية …فمحور التثبيت قد يبارك تكوينه ومحور التفتيت قد يرفض تكوينه …الشغلانة قابلة التصعيد ..
ثمة سؤال هام وهو إذا ما قام هذا المجلس التشريعي المعين هل سيكون مجلس السيادة الحالي مجلس شرفي؟ إذا كان مجلس السيادة في الفترات الديمقراطية التي انتخب فيها البرلمان انتخابا مباشرا لا يرضى بأن يكون شرفيا… في البال الصراع بين الأزهري والمحجوب في الديمقراطية الثانية وبدرجة أقل بين الصادق وأحمد الميرغني في فترة الديمقراطية الثالثة رحمهم الله جميعا .. فما بالك بمجلس سيادة فيه مكون عسكري رهيب خارج من حرب ؟..
لذلك هناك من سيقترح الآن أو من داخل المجلس المرتقب قيام جمهورية رئاسية مباشرة َبالظلط بدلاً من الدقداق وأنا ما بفسر وانت ما تقصر …
كلمة أخيرة، إذا كان المجلس التشريعي معينا أو منتخبا سيكون خاضعا لسيطرة ذات النخبة السودانية التي أدمنت …. أدمنت شنو ياربي ؟ فاذا أقررنا بأن هناك علة فالعلة في هذة النخبة …دعونا نأمل هذة المرة أن تخيب ظننا َوتتقي الله في شعبها…
…عنوان المقال هو اسم لكتاب كتبه الرئيس إسماعيل الأزهري يشرح فيه القوانين واللوائح التي تصنع البرلمانات وكيفية عملها …أي كتاب تعليمي



