رأي

الثقافة المصرفية والمالية في السودان: واقع الشمول المالي وتحديات الإصلاح الاقتصادي

 

د. مروة قباني **

 

يعاني السودان من ضعف ملحوظ في الثقافة المصرفية ومستويات الشمول المالي، حيث ظلت الخدمات المصرفية محصورة في فئات محدودة من المجتمع، بينما بقيت الأغلبية خارج النظام المالي الرسمي.

وتشير التقديرات إلى أن نسبة السكان الذين يمتلكون حسابات مصرفية قبل اندلاع الحرب لم تتجاوز 6% إلى 10% من إجمالي السكان، مقارنة بمتوسط عالمي يتجاوز 60% في الدول النامية، وأكثر من 90% في الدول المتقدمة.

ضعف الشمول المالي يمثل أحد العوائق الرئيسية أمام التنمية الاقتصادية والاستقرار المالي، ويؤثر بشكل مباشر على مستويات الادخار والاستثمار وتمويل الأنشطة الإنتاجية.

أولًا: واقع الثقافة المصرفية في السودان:

ظل التعامل مع المصارف في السودان مرتبطًا بالأنشطة التجارية والاستثمارية والمؤسسات الحكومية، بينما أعتمدت غالبية السكان على الآقتصاد النقدي (Cash Economy).

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من 80% من المعاملات الاقتصادية كانت تتم نقدًا خارج النظام المصرفي، ما أدى إلى ضعف تعبئة المدخرات الوطنية.

ثانيًا: تحديات فتح الحسابات المصرفية:

واجه الأفراد الراغبون في فتح حسابات مصرفية عدة تحديات، أبرزها:
• متطلبات وثائق الهوية والإقامة والعمل.
• حد أدنى للإيداع يتراوح بين 50,000 إلى 500,000 جنيه سوداني (قبل الحرب حسب المصرف).
• اشتراط وجود معرفين أو مزكين للعميل.
• ضعف انتشار الفروع المصرفية، حيث يتركز أكثر من 60% من فروع البنوك في ولاية الخرطوم.

كما ساهمت تقلبات سعر الصرف والتضخم المرتفع الذي تجاوز 300% في بعض السنوات في تقويض الثقة بالنظام المصرفي.

ثالثًا: أنواع الحسابات المصرفية:

-الحسابات الجارية:
• تمثل ما يقارب 30% إلى 40% من إجمالي الحسابات المصرفية.
• تستخدم في المعاملات اليومية والتحويلات.

-الحسابات الادخارية:
• تمثل حوالي 20% إلى 30% من الحسابات.
• تستهدف الأفراد والموظفين وتشجع الادخار.

-الودائع الاستثمارية:
• تمثل ما يقارب 40% من إجمالي الودائع.
• تعتمد على صيغ التمويل الإسلامي مثل المضاربة والمشاركة.

القطاع المصرفي وعدد المصارف:

قبل الحرب، بلغ عدد المصارف العاملة في السودان 38 مصرفًا تشمل:
• مصارف تجارية وإسلامية.
• مصارف تنموية ومتخصصة (زراعية، صناعية).
• فروع لمصارف عربية وأجنبية.
وتخضع جميعها لرقابة بنك السودان المركزي.

سياسات بنك السودان المركزي:

يعمل بنك السودان المركزي على:
• تنظيم العمل المصرفي وفق النظام المصرفي الإسلامي منذ عام 1984. (تحديث 2026).
• تحديد نسبة الاحتياطي القانوني للمصارف (تتراوح بين 10% و20% حسب السياسة النقدية).
• توجيه التمويل للقطاعات الإنتاجية بنسبة تصل إلى 60% من إجمالي التمويل المصرفي.
• إدارة السياسة النقدية للحد من التضخم وتحقيق الاستقرار المالي.

التمويلات المصرفية حسب القطاعات:
تشير بيانات تقديرية إلى توزيع التمويل المصرفي على النحو التالي:
• الزراعة: 25% إلى 35%
• التجارة والخدمات: 30% إلى 40%
• الصناعة: 10% إلى 15%
• الإسكان والبناء: 10%
• التمويل الاستهلاكي وأخرى: 10% إلى 20%

سياسات الاستثمار المصرفي:
تعتمد المصارف السودانية على صيغ التمويل الإسلامي، أبرزها:
• المرابحة: تمثل أكثر من 50% من التمويلات
• المشاركة والمضاربة: 15% إلى 25%
• السلم والاستصناع والإجارة: 10% إلى 20%.
ويُلاحظ هيمنة التمويل قصير الأجل مقارنة بالتمويل التنموي طويل الأجل.

إنواع التمويلات وأثرها على التنمية الاقتصادية:

-التمويل الأصغر:
• يستهدف أكثر من 5 إلى 7 ملايين مستفيد محتمل في السودان.
• يركز على المشاريع المنزلية والحرفية والزراعية الصغيرة.

-تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة (SMEs):
• يمثل هذا القطاع أكثر من 90% من إجمالي المنشآت الاقتصادية في السودان.
• يساهم بحوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي ويشغل نسبة كبيرة من العمالة.

-التمويل الاستثماري:

يعد التمويل الاستثماري من أهم أدوات دعم مشاريع البنية التحتية والطاقة والزراعة والصناعة، إلا أن نسبته لا تزال منخفضة ولا تتجاوز 10% إلى 15% من إجمالي التمويل المصرفي، ما يحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام.

الشمول المالي كأولوية استراتيجية:

يُعرّف الشمول المالي بأنه تمكين جميع فئات المجتمع من الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن رفع نسبة الشمول المالي إلى 50% يمكن أن يرفع معدل النمو الاقتصادي بنحو 1% إلى 2% سنويًا.
ويشمل الشمول المالي:
• الحسابات المصرفية الأساسية
• المحافظ الإلكترونية والخدمات الرقمية.
• التمويل الأصغر
• برامج التثقيف المالي

بلغت نسبة الحسابات الافتراضية ضعفي الحسابات المصرفية عبر مقدمي الخدمات وشركات الاتصالات عبر نظام USSD لفتح الحسابات عبر الشرائح المرتبطة برقم الهاتف والاستفادة من شبكة الوكلاء لتغذية المحافظ والسحب منها والاستفادة من الخدمات المقدمة للعملاء عبر منصات الدفع عبر الموبايل.

خاتمة وتوصيات اقتصادية:

يمثل ضعف الثقافة المصرفية والشمول المالي أحد أبرز التحديات الهيكلية للاقتصاد السوداني. ويتطلب تحسين هذا الواقع:
1. تبسيط إجراءات فتح الحسابات المصرفية.
2. توسيع الخدمات الرقمية والمالية عبر الهاتف المحمول.
3. دعم التمويل الأصغر والمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
4. تعزيز الثقة في النظام المصرفي عبر الشفافية وصناديق ضمان الودائع.
5. تنفيذ برامج وطنية للتثقيف المالي.

تحقيق هذه الإصلاحات يمكن أن يسهم في رفع معدلات الادخار والاستثمار وتحقيق نمو اقتصادي مستدام في السودان ويسهم في جذب السيولة النقدية داخل القطاع المصرفي والاستفادة منها في المشاريع التنموية.

** خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى