رأي

من ردّ الفعل إلى الشراكة: إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع

رمضان أحمد

في مقال سابق تناولتُ أثر وسائل التواصل الاجتماعي على القرار الرسمي، وكيف أصبحت أداة ضغط فعّالة على صانع القرار، قادرة على كشف الأخطاء وتعديل المسارات في بعض الأحيان. لكن السؤال الأهم اليوم لم يعد: هل تؤثر هذه الوسائل؟ بل: كيف نحول هذا التأثير من ضغط عفوي إلى مشاركة مؤسسية منظمة في صناعة القرار؟

لقد دخلنا عصراً لم تعد فيه الدولة وحدها مالكة للمعلومة، ولا المواطن متلقياً سلبياً للقرارات. فمع الانتشار الواسع للهواتف الذكية والإنترنت، باتت الغالبية الساحقة من المواطنين قادرة على الوصول إلى الفضاء الرقمي والمشاركة فيه، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذا التحول يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

من رد الفعل إلى الشراكة:
المشكلة في كثير من تجاربنا السياسية أن مشاركة المواطن غالباً ما تأتي بعد صدور القرار، في صورة احتجاج أو رفض أو ضغط إعلامي. بينما المطلوب هو نقل المواطن من موقع “المعترض بعد الفعل” إلى موقع “الشريك قبل القرار”.

إن إشراك المواطن في صناعة القرار لا يعني إدارة الدولة عبر استطلاعات عاطفية أو مزاجية، بل يعني بناء آليات رقمية شفافة تمكّن الرأي العام من الاطلاع، والمناقشة، والترشيح، وإبداء الملاحظات قبل إقرار السياسات الكبرى.

الخطوة العملية تبدأ بطرح مبادرة وطنية لتشكيل لجنة مستقلة تحت مسمى “هيئة إشراك المواطن”، تتكون من عشرة أعضاء يتم ترشيحهم عبر منصة إلكترونية رسمية، وفق معايير واضحة ومعلنة، مثل:
• أن يكون المرشح سودانياً كامل الأهلية
• مؤهلاً علمياً في تخصص ذي صلة (قانون، إدارة عامة، اقتصاد، تقنية معلومات…)
• ذا خبرة عملية مثبتة
• غير منتمٍ تنفيذياً لجهة حكومية حالياً لضمان الاستقلال

تُفتح المنصة لفترة محددة لاستقبال الترشيحات، ثم تُنشر الأسماء والسير الذاتية بشفافية، مع إتاحة المجال للتعليق وإبداء الملاحظات، قبل اعتماد التشكيل النهائي وفق أعلى درجات الكفاءة والنزاهة.

تكون مهمة هذه الهيئة:
• تنظيم آليات الاستشارة العامة
• إدارة المنصات الرقمية التفاعلية
• تلقي مقترحات المواطنين
• تقديم تقارير دورية للسلطة التنفيذية والتشريعية.

ثانياً: الترشح الرقمي للمناصب العامة:
من أبرز أوجه الخلل في الإدارة العامة تغليب المحاصصات والعلاقات الشخصية على معيار الكفاءة. ويمكن معالجة ذلك عبر:
• نشر توصيف وظيفي واضح لأي منصب وزاري أو قيادي
• فتح باب الترشيح الإلكتروني
• نشر قائمة مختصرة للمرشحين المؤهلين
• إتاحة فرصة للرأي العام لتقديم ملاحظاته أو دعمه لأحد الأسماء.

بهذه الطريقة، يتحول التعيين من قرار مغلق إلى عملية شفافة تخضع للرقابة المجتمعية، مما يقلل من الشلليات ويعزز الثقة في المؤسسات.

ثالثاً: الاستشارة العامة في القرارات الكبرى:
يمكن اعتماد آلية استشارة إلكترونية للقرارات المصيرية، مثل:
• مشاريع القوانين
• الإصلاحات الاقتصادية الكبرى
• الاتفاقيات الدولية
• الخطط الاستراتيجية طويلة المدى
تُعرض ملخصات مبسطة لهذه القضايا عبر منصة رسمية، ويُفتح باب التعليقات لمدة زمنية محددة، ثم تُنشر خلاصة آراء المواطنين ضمن التقرير النهائي قبل اتخاذ القرار.

من مزايا هذا النموذج تقليل أخطاء الانفراد بالقرار. فالمشاركة الواسعة تقلل من احتمالية اتخاذ قرارات غير مدروسة أو غير مقبولة شعبياً، فضلاً عن توزيع المسؤولية فعندما يكون القرار ناتجاً عن مشاورة عامة، فإن تبعاته لا تتحملها جهة واحدة. هذا بالإضافة إلى تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع إذ يشعر المواطن بأنه شريك لا مجرد متلقٍ، كما أن هذا النموذج يمكن الدولة من الاستفادة من العقول الوطنية في الداخل والخارج، إذ إن المشاركة الرقمية تساوي بين المواطن داخل البلاد والمواطن في المهجر.

غير أن هناك تحديات يجب التحسب لها، وهي خطر الشعبوية والانجرار وراء الرأي اللحظي، بجانب محاولات التلاعب الإلكتروني أو التضليل مما يتطلب الحاجة إلى تشريعات تحمي المنصات من الاستغلال السياسي
لذلك فإن إشراك المواطن يجب أن يكون منظماً، محكوماً بضوابط قانونية وتقنية، لا أن يتحول إلى فوضى رقمية.

إن وسائل التواصل الاجتماعي ليست مجرد أدوات ترفيه أو ساحات جدل سياسي، بل يمكن أن تتحول إلى بنية تحتية ديمقراطية حديثة. والسؤال لم يعد: هل نستخدمها؟ بل: كيف نحسن استخدامها؟
لقد أثبت الواقع أن زمن القرارات التي تُصنع في الغرف المغلقة دون مساءلة قد ولى أو يكاد. والدولة التي ترفض التكيف مع هذا التحول ستجد نفسها في مواجهة دائمة مع مجتمع رقمي لا يمكن تجاهله.

إن إشراك المواطن ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة للحكم الرشيد وتوخياً للشفافية في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى