رأي

صن تزو في الخرطوم: حين تلتقي الفلسفة العسكرية الصينية بالحرب السودانية المعاصرة (2-2)

 

د. إسماعيل ساتي

 

تناول الجزء الأول الخلفية الفكرية لكتاب “فن الحرب” لصن تزو، واستعرض فلسفته العامة ومفاهيمه الأساسية، ثم طبق معايير النصر السبعة والعناصر الخمسة على واقع الحرب السودانية، محللاً موقع الشرعية الأخلاقية، ودور القيادة العسكرية، والتحولات العملياتية التي اعتمدت على الاستنزاف والمناورة والحرب المعنوية. وفي هذا الجزء ننتقل إلى قراءة التحديات الكبرى التي واجهت مسار الحرب، وكيف جرت مجابهتها وفق منطق صن تزو، وصولاً إلى استخلاص دلالات النصر ومعناه في السياق السوداني.

رابعاً: التحديات… وكيف تمت مجابهتها وفق منطق صن تزو

من وجهة نظر “فن الحرب”، هناك تحديات كبيرة تواجه البرهان، لكن الأهم هو كيفية تحويل هذه التحديات إلى فرص:

التحدي الأول: عامل الوقت

التحذير: صن تزو يحذر من أن إطالة أمد الحرب “ستضعف حماس الجنود وروحهم المعنوية، وستستنفد موارد الدولة”. الأزمة الإنسانية المتفاقمة، وأعداد النازحين التي تتجاوز الملايين، قد تتحول إلى رأي عام دولي ومعارضة داخلية تضغط لوقف الحرب بشروط لا ترضي الجيش.

كيف تمت مجابهته؟ حولت القيادة العسكرية عامل الوقت من عبء إلى أداة ضغط عبر استراتيجية متكاملة:

– تحويل المعاناة إلى زخم معنوي: تم توظيف الانتهاكات الميدانية لقوات الدعم السريع، خاصة بعد سقوط ود مدني في ديسمبر 2023، لتحفيز المشاعر الوطنية وتحويل الغضب الشعبي إلى طاقة قتال.

– إطالة أمد الصراع لصالح الجيش: على عكس تحذير صن تزو، استطاع الجيش تحويل عامل الوقت لصالحه عبر بناء قدرات ذاتية متزايدة، بينما تعاني قوات الدعم السريع من صعوبة إمداد خطوطها الطويلة. الجيش يستثمر الوقت في تدريب قواته ورفع كفاءتها بدلاً من الاستعجال في معارك غير محسوبة.

التحدي الثاني: المرونة المفرطة للعدو

التحذير: قوات الدعم السريع، كونها قوة غير نظامية، تتمتع بمرونة كبيرة في التحرك، مما يجعل تطبيق مبدأ “الماء” عند صن تزو (أي التكيف مع شكل الأرض) سلاحاً ذا حدين. الجيش النظامي قد يكون أبطأ في التكيف من المليشيا الخفيفة الحركة .

كيف تمت مجابهة ذلك؟ هنا كان الرد استثنائياً وفق منطق “محاربة العدو بسلاحه”:

– تعبئة وتدريب المقاومة الشعبية: أطلق الفريق البرهان دعوة للتعبئة العامة، وأشرف الجيش على إنشاء معسكرات تدريب للآلاف من المدنيين، ليشكلوا قوة احتياط ضخمة.

– التفوق بنفس منطق المرونة: قاتل أفراد المقاومة الشعبية بنفس منطق المليشيا الخفيفة، بل وتفوقوا عليها في حرب الشوارع بالخرطوم وولاية الجزيرة. فقد استطاعت قوات المقاومة بالتعاون مع الجيش صد أكثر من 40 هجوماً لقوات الدعم السريع على مقر سلاح المدرعات وحده، وكبدته خسائر فادحة . كما أن هؤلاء المقاتلين المتطوعين، وهم من أبناء المناطق نفسها، يتمتعون بمعرفة تفصيلية بالشوارع والأزقة، مما منحهم أفضلية ميدانية حاسمة.

– التوسع الكمي: وصل عدد المستنفرين إلى أكثر من 200 ألف مقاتل في ولايات كردفان ووسط البلاد وشرقها وشمالها، مما شكل إضافة نوعية للقوات النظامية وعوض نقص المشاة في وحدات الجيش المتخصصة.

– المرونة التكتيكية: استخدمت المقاومة الشعبية تكتيكات تعتمد على خلايا صغيرة قتالية (كتائب وسرايا) يمكنها التحرك بسرعة والمناورة في المناطق الحضرية، وهو ما يتوافق تماماً مع مبدأ صن تزو في “السرعة كالريح” .

التحدي الثالث: الجبهة السياسية

التحذير: نجاح القائد لا يقاس فقط بالميدان، بل بإدارته للسياسة. صن تزو يقول: “قائد الجيش هو الحكم في مصير الشعب، وهو الرجل الذي يعتمد عليه سواء في السلام أو في الحرب”. غياب حاضنة سياسية مدنية متماسكة تدير المعركة السياسية بالتوازي مع المعركة العسكرية يضع عبئاً إضافياً على القيادة العسكرية.

كيف تمت مجابهة ذلك؟
عملت القيادة على:

– بناء شرعية شعبية بديلة: شكلت المقاومة الشعبية، بقطاعاتها الواسعة من الشباب السوداني غير المنتمي سياسياً، بديلاً للحاضنة السياسية التقليدية. فهي تمثل “اصطفافاً وطنياً” خلف الجيش يتجاوز الانقسامات الحزبية.

– توحيد القوى الوطنية: ضمت المقاومة الشعبية سودانيين من مختلف التوجهات السياسية (إسلاميين، مستقلين، يساريين، بل وحتى منتقدين سابقين للجيش مثل مجموعة “غاضبون بلا حدود”)، مما خلق حالة نادرة من الوحدة الوطنية خلف المؤسسة العسكرية .

الخلاصة: نحو نصر سوداني على الطريقة الصينية

هل يطبق الفريق أول البرهان “فن الحرب” بشكل واعٍ؟ قد يكون ذلك محل نقاش. لكن المؤكد أن مسار الحرب الحالي يُظهر تقاطعاً واضحاً مع العديد من مبادئ صن تزو: التركيز على الشرعية، استهداف تحالفات العدو وتفكيكه من الداخل، الصبر الاستراتيجي لتجنب المعارك الكبرى المكلفة، وحرب الرواية لكسب الشرعية الدولية.

والأكثر إبهاراً هو قدرة القيادة السودانية على تحويل تحديات الحرب إلى فرص: فخطر الوقت تحول إلى أداة استنزاف، ومرونة العدو قوبلت بمرونة مضاعفة عبر المقاومة الشعبية التي تفوقت في حرب المدن، وفراغ الحاضنة السياسية ملئ باصطفاف شعبي غير مسبوق.

النصر النهائي في هذه الحرب، وفقاً لمنظور صن تزو، لن يكون بمجرد سقوط آخر معقل للدعم السريع، بل بقدرة القيادة السودانية على تحقيق الاستقرار، وإعادة بناء الدولة، ودمج من يمكن دمجه من القوات الأخرى وفق معايير مهنية صارمة. إنها معركة طويلة بين “قوة الدولة” المنظمة و”قوة التمرد” الهامشية، والفلسفة العسكرية الصينية القديمة تذكرنا بأن الحرب ليست غاية، بل وسيلة لتحقيق سلام دائم. ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع البرهان، تلميذ صن تزو في هذه الحرب، أن يحول انتصاره العسكري إلى سلام يعيد بناء السودان، أم أن الحرب ستأكل أبناءها كما يأكل النار جذوة المعركة؟

هذا ما سوف ترى إجابة حاسمة له في الأيام القلائل القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى