منظمة للشهداء … ضرورة الفعل، وبقاء الأثر

د.سلوي حسن صديق
لم أجد وقتاً الناس فيه أشد حاجة لمنظمة ترعي أسر الشهداء مثلما نحن فيه اليوم، فإن كانت الحاجة بالأمس محصورة في أسر النظاميين فقد تفرق بعد هذه الحرب اللعينة مسمى الشهيد بين جماعات شتى ولافتات بلا حصر، ولكنهم جميعاً يلتقون في شئ واحد هو أنهم ضحوا بأنفسهم وفدوا البلد والناس.
سبحان مغير الأحوال، فقد تبدل حال أهل السودان من اليسر إلي العسر خلال هذه السبع العجاف، فأصبحت الحاجة أكبر ومتجددة حتى ايام السلم وقبل أن تنطلق شرارة الحرب، حدث هذا بفعل ما ألم بنا من استهداف بعد التغيير وقد عبثت الأيادي الخبيثة بأدوات ضبط المصنع فاستهدفت رغد عيشنا وراحتنا وإنتاجنا الوفير ووجوه الناس الزاهرة و التي ذبلت بعد الحرب.
فيما أذكر أن صديقة لنا كانت تجمع الصدقات من بلاد أوروبية بعيدة وترسلها كفالة لأيتام للداخل، كانت تسألنا أن نبحث معها عن أيتام مكتملي الأوراق لتبعث بها لمجموعة السودانيين المقيميين في تلك الأصقاع والذين بدورهم يرسلون بلا من ولا أذى لكل الأسماء دون تمييز، يفعلونها طلباً للثواب والأجر.
سألتها قبل عدة أيام عن وضعهم بعد الحرب فحدثتني عجبا أن الأمر قد خرج من يدهم من كثرة الطلب وحال الأقارب في كل بقعة من بقاع السودان فالحرب إفقرت كل السودانيين.
تفعيل منظمة للشهداء وتجديد قانونها الآن ضرورة يفرضها واقع أبناء الشهداء وأسرهم بكافة لافتتاتهم إن كانوا نظاميين أو مقاتلين مستنفرين طوعاً أو مدنيبن غدر بهم الأوغاد وماتوا دون مالهم وعرضهم، مع العلم أن المجموعات الطوعية التي انتظمت في ترتيب هذا العمل كثيرة وناجحة ومؤثرة وكل صباح يطل أحدهم لينبئك أنه أضافك في مجموعة بلسم جديدة عساها تشفي جراح من فقد عائلة، والحمد لله لم يخذلهم الناس، فالسودانيين طبعهم الإحسان وقد كانوا محسنين وقت السلم فما بالك أيام هذه المحنة القاسية.
العمل الطوعي في هذا الملف الحزين الملئ بالقصص والجراحات النازفة يحتاج من يلملم أطرافه ويحوله إلى فكرة كبيرة تجعله ريعاُ نافعاً ومشروعات تعمم من ذات العائد الآني حتى تسعف من ضاق به الحال. نعلم أن العدد أكبر من أن نتخيله وربما لهذا يصبح تدخل الدولة ضرورة وواجباً وليس ترفاً أو مزاجاً لأن العمل يحتاج لحصر بأدوات متنوعة ولقرار في جوانب متعددة منها الأمني والإجتماعي وغير ذلك إضافة إلي أن حضور الدولة في مثل هذه الأعمال الكبيرة يمنح المواطن صكا لأخذ الحقوق حتي لا يحسبها آخرون تفضلا ومنة من أحد والمواطن يستحق فهو من ضحى بإبنه فلذة كبده من أجل أن يكون هذا البلد وتثبت أركانه.
مرة أخرى نقولها ليت الدولة تجمع شتات ما يختص بالأمر من أفكار و أموال كثيرة مبعثرة ومداخيل تأتي من أبواب متفرقة وتضع يدها ومشرطها لتخرج عملا نافعا كبيرا إسمه منظمة الشهداء همها الأول حفظ كرامة من ضحوا وجادوا بالغالي والنفيس وكلهم شهداء.
نقولها ثالثة ورابعة، الأمر ليس مستحيلاً فالتكنولوجيا الآن سهلت أعمال الرصد والحصر وجغرافيا المكان و الوصول والتوصيل سهل عبر المنظومات والمجموعات الإسفيرية، وحتما يستطيع القائمون الفعل إن صدقت النوايا.
وبعد.. الحرب مع قسوتها ولؤمها إلا أنها قد أظهرت معدن أهل السودان ومن أي طينة هم.. فقد شهدنا بعضهم يقتسم لقمته وحاله الرقيق ورأينا بعضهم ينفق من ماله ومن أخلاقه ومن عزيمته ومن مروءته وتعلمنا كذلك أن الدين هو من يحرس الأوطان وليس العكس ولولا قيمه المستمدة من نصوصه الرفيعة لما كان هذا الفداء ، فالحمد لله علي نعمته ويبقي الأثر الطيب (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وأشار عليه الصلاة والسلام بإصبعيه السبابة والوسطي..
كل عام وأنتم بخير ورمضان كريم عليكم جميعا ..
و تقبل الله الشهداء .



