رأي

عندما يصبح تشخيص المشكلة بديلاً عن حلها: لماذا لا تكفي المعرفة لبناء الدول؟

عادل الرفاعي أبو الحسن

في بعض الثقافات يقال: State the obvious،
أي: “قل ما هو واضح وبديهي”. ولا تبدو العبارة إشكالية في ظاهرها، فكل تفكير سليم يبدأ من حقائق واضحة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول البديهيات إلى نهاية التفكير لا إلى بدايته، ويصبح وصف الواقع بديلاً عن تغييره.

وفي السودان لا تكاد تغيب حقيقة أكثر من تكرار الحديث عن وفرة الموارد والإمكانات. نعرف أن لدينا أراضٍ زراعية واسعة، وموارد مائية كبيرة، وتنوعاً مناخياً مميزاً، لكن السؤال الذي ظل مؤجلاً هو: وماذا بعد؟

فالأمم لا تُبنى بما تعرفه عن نفسها، وإنما بما تفعله بما تعرفه.

ليست القضية هنا قضية زراعة فحسب، ولا اقتصاد فحسب، وإنما قضية دولة. فالزراعة ليست إلا نموذجاً يوضح الفرق بين امتلاك الموارد، والقدرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية وتنموية مستدامة.

كثيراً ما نتحدث عن “الميزة النسبية”، وكأن امتلاك الموارد يمثل إنجازاً في حد ذاته، بينما تؤكد التجارب العالمية أن الموارد ليست سوى نقطة البداية. فالأسواق لا تكافئ مَن يملك الأرض أو المياه، وإنما تكافئ من يديرها بكفاءة، ويحولها إلى إنتاج منافس ومستدام.

وإذا كنا نعد الزراعة أحد أهم الأصول الاستراتيجية للسودان، فإن الجدية لا تبدأ بتكرار الحديث عن وفرة الأرض والمياه، بل بإعداد الدولة نفسها لخدمة هذا القطاع. فمن أبسط واجبات الدولة أن تمتلك قاعدة معرفية ومؤسسية متكاملة تكون جاهزة أمام المستثمر، سواء كان من داخل السودان أو من خارجه. ويشمل ذلك إعداد خرائط دقيقة للأراضي الصالحة للزراعة ومساحاتها وتوزيعها، وخرائط ملاءمة المحاصيل، وتحليلات حديثة للتربة وخصائصها وتكويناتها في الأعماق المختلفة، وبيانات متكاملة عن المياه الجوفية من حيث مواقعها وأعماقها وجودتها ودرجة ملوحتها، إلى جانب تطوير متحف وطني للتربة، وبنك وطني للبذور، وقواعد بيانات زراعية محدثة، ومختبرات مرجعية، وأنظمة للحجر الزراعي والبيطري، وبنية تحتية داعمة من طرق ومرافق وخدمات لوجستية، مع تشريعات مستقرة وإجراءات واضحة. فهذه ليست أعمالاً تكميلية، بل من صميم مسؤوليات الدولة، وهي الحد الأدنى من الجاهزية التي يتوقعها أي مستثمر جاد قبل اتخاذ قرار الاستثمار.

وتتضح هذه الفكرة في تجربة أحد المستثمرين الأجانب الذي أبدى اهتماماً بإقامة مشروع زراعي كبير في السودان. لم يبدأ حديثه عن مساحة الأراضي أو وفرة المياه، بل بدأ بأسئلة فنية دقيقة: ما طبيعة التربة؟ وما خصائصها الكيميائية والفيزيائية؟ وما أعماق المياه الجوفية واستقرارها وجودتها؟ ثم انتقل إلى سؤال أكثر دقة: ما طبيعة التكوينات الجيولوجية في الأعماق؟ هل هي طينية أم رملية أم صخرية؟

ولم يكن هذا السؤال تفصيلاً فنياً، بل كان عنصراً أساسياً في دراسة الجدوى الاقتصادية؛ لأن طبيعة التكوينات الأرضية تحدد نوع الآبار، ونوع المضخات، وتكاليف التشغيل والصيانة طوال عمر المشروع. فوجود تكوينات رملية، على سبيل المثال، قد يؤدي إلى تسرب الرمال مع المياه، مما يزيد من تآكل المضخات، ويرفع معدلات الأعطال، ويستلزم استخدام تقنيات أكثر كلفة، وهو ما قد يؤثر مباشرة في قرار الاستثمار.

كما طلب خرائط للمياه الجوفية، وخرائط لملاءمة المحاصيل، ودراسات تحدد ما يصلح زراعته في كل منطقة وما لا يصلح. وكانت هذه، في نظره، الحد الأدنى من المعلومات التي ينبغي أن تكون جاهزة لدى أي دولة تسعى بجدية إلى جذب الاستثمار.

وهنا ظهرت المشكلة الحقيقية. فلم تكن الفجوة بين السودان وموارده، بل بين الموارد والمعرفة المؤسسية المنظمة. ولم يكن السؤال: هل توجد أرض؟ وهل توجد مياه؟ بل: هل توجد دولة أعدت نفسها لتحويل هذه الموارد إلى مشاريع ناجحة؟

وما ينطبق على الزراعة ينطبق على بقية القطاعات. فنحن نعرف أهمية التعليم، لكن معرفة أهميته ليست سياسة تعليمية. وندرك أهمية الصناعة، لكن الحديث عنها لا يصنع استراتيجية صناعية. ونعرف قيمة المؤسسات، لكن الإقرار بدورها لا يعني بناءها.

كما أن وجود الدراسات والخطط، مهما بلغت جودتها، لا يكفي وحده. فالاستراتيجية التي لا تتحول إلى تنفيذ لا تختلف كثيراً في أثرها عن غياب الاستراتيجية. فالنجاح لا يقاس بعدد الوثائق، وإنما بما تنتجه من سياسات، وما تتحول إليه من مؤسسات، وما تحققه من نتائج قابلة للقياس.

إن جوهر الدولة الاستراتيجية هو الانتقال من معرفة الإمكانات إلى بناء الجاهزية المؤسسية، ومن تشخيص المشكلات إلى حلها، ومن إدارة الواقع إلى صناعته. فهي لا تعرض مواردها على المستثمرين، بل تعرض منظومة متكاملة من المعرفة والمؤسسات والبنية التحتية والقوانين التي تجعل الاستثمار ممكناً وآمناً وقادراً على الاستمرار.

ولهذا لا تبدو مشكلة السودان في نقص الموارد، ولا في غياب المعرفة بها، وإنما في بقاء جزء كبير من التفكير عند مرحلة الوصف والتشخيص، دون الانتقال إلى مرحلة البناء والتنفيذ.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يحكم كل سياسات الدولة:

ماذا نملك؟ وماذا نعرف؟ وماذا فعلنا بما نملك وبما نعرف؟

فالأمم لا تنهض لأنها تمتلك الموارد، ولا لأنها تتحدث عنها، بل لأنها تحول الموارد إلى مشاريع، والمشاريع إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى نتائج. وعندما تتحول المعرفة إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قدرة مستدامة، يبدأ التاريخ في اتخاذ مسار مختلف، وتبدأ الدولة في صناعة نهضتها بدلاً من الاكتفاء بالحديث عنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى