هل تحقق الطاقة الشمسية القفزة الرابعة في الاقتصاد السوداني ؟

محمد عبد الرحيم جاويش
يشهد السودان نمواً سريعاً في تركيب وحدات الطاقة الشمسية الصغيرة، solar home systems ، بعد التدمير الكبير الذي تعرضت له منظومة الكهرباء العامة خلال حرب مليشيات الدعم السريع منذ أبريل 2023.
كانت الطاقة الشمسية محل اهتمام الدولة كأحد مصادر الكهرباء خلال العقد المنصرم، إذ أعلنت مبادرة رئيس الجمهورية حينها إدخال 1000 ميقاواط من الطاقة الشمسية فيما عرف بمبادرة “شمس السودان طاقة ونماء” وتبنت الدولة سياسة إعفاء مدخلات الطاقة الشمسية من الجمارك، لتشجيع المواطنين والقطاعات الإنتاجية لتركيب الوحدات الصغيرة ،كما وضعت المبادرة هدفاً لتركيب مليون وحدة طاقة شمسية في المناطق الريفية المعزولة من شبكات الكهرباء العامة وحوالي 2400 وحدة ري شمسي ، وفي يناير 2018 وقعت شركة كهرباء السودان القابضة اتفاقية مع شركة أبوظبي للطاقة (مصدر) لتركيب طاقة شمسية بسعة 500 ميقاواط خلال 5 سنوات ولكن لم تنفذ هذه الاتفاقية، فيما عملت وزارة الري والموارد المائية مع برنامج الأمم المتحدة الانمائي على إدخال مضخات ري بالطاقة الشمسية في مشروعات تجريبية في ولايات الشمالية ونهر النيل بتمويل من مرفق البيئة العالمي وكوريا.
وبتمويل من وزارة المالية نفذت وزارة الموارد المائية والكهرباء حينها محطة بسعة 10 ميقاواط في الفاشر ، و5 ميقاواط في الضعين، وفي نوفمبر 2022 دخلت محطة كهرباء مصنع اسمنت الشمال بالطاقة الشمسية الخدمة بسعة 27 ميقاواط ، وتم توقيع اتفاقية مع شركة توزيع الكهرباء لتغذية الشبكة بفائض الكهرباء أثناء ساعات النهار ، ولكن كل هذه المجهودات لم تحدث تغييراً ملموساً في أرض الواقع، إذ ظلت البلاد تعاني من نقص الطاقة الكهربائية، وتستهلك محطات التوليد الحراري جزءاً مقدراً من ميزانية الدولة لتوفير الوقود.
يتمتع السودان بموارد طبيعية زراعية وحيوانية ضخمة، ظلت باستمرار تحتاج الطاقة لاستغلالها، وتحسين الوضع الاقتصادي للبلاد ، وتمثل الطاقة الشمسية أحد الموارد الكامنة التي لم يتم استغلالها حتى الآن بحيث تدفع الاقتصاد وتعالج كثيراً من مشاكل ضعف التنمية التي تزداد قساوتها في الريف والمناطق البعيدة من المدن التي تفتقد الكهرباء.
مجهودات الدولة لاستغلال الطاقة الشمسية خلال العشر سنوات السابقة لم تثمر لعدة أسباب، منها أن المحطات الكبرى (مثل مشروع شركة مصدر) تحتاج لرأسمال خارجي، وهو مرتبط بظروف سياسية واقتصادية غير متحكم بها، كما أن الوحدات الصغيرة سواء للمنازل أو المزارع أو الآبار للثروة الحيوانية والمراعي لم تكن تتوفر لها تسهيلات تمويل من المصارف أو الدولة.
تتغير الصورة حالياً مع ما أفرزته الحرب من تدمير لبنية الكهرباء، ومع توفر تكنولوجيا الطاقة الشمسية في الأسواق ووفرة الموردين لمكوناتها، ودخول عدد كبير من المستثمرين في المجال، ومع انخفاض التكلفة الرأسمالية لوحدات الطاقة الشمسية مقارنة بالسنوات الماضية، كل ذلك يفتح آفاقا وفرصة ثمينة إن أحسنت الدولة استغلالها ، ويمكن أن تحقق قفزة في الاقتصاد الكلي، بل ربما تصبح القفزة الرابعة في تاريخ الاقتصاد السودان بعد القطن ، البترول والذهب.
الدولة بحاجة لدعم وتشجيع التوسع في استغلال الطاقة الشمسية، بالسياسات وتوفير التمويل للقطاعات الزراعية والانتاجية وحتى محطات تحلية المياه على البحر الأحمر التي يمكن أن تحل مشكلة مياه شرق السودان التي استعصت على مر الأجيال، ولحسن الحظ أن كثيراً من أنشطة هذه القطاعات غالباً ما تعتمد على خدمة الكهرباء نهاراً، دون الحاجة لبطاريات، وهو الجزء الأعلى تكلفة في منظومات الطاقة الشمسية.
جانب آخر من دور الدولة، وهو الاهتمام بتوفير الدعم الفني لهذه القطاعات الإنتاجية بما يزيد كفاءتها وتسويق منتجاتها خارجياً.
وبالطبع لا تحتاج الدولة للتذكير عند بحث التمويل لمشروعات إعادة الإعمار أن تكون محطات الطاقة الشمسية ذات الحجم الكبير (500 ميقاواط) ضمن الأولويات، فالطلب على الكهرباء اليوم لن يكون هو الطلب في ابريل 2023.



