سودان ما بعد الحرب: بين نضج الحوار وسؤال المشروع الحضاري

رمضان أحمد
بدأت الساحة السياسية في السودان تستعيد شيئاً من زخمها عبر الحوارات والنقاشات العامة، مع تغيرٍ ملحوظ – ولو كان طفيفاً – في الخطاب السياسي مقارنة بما كان سائداً قبل الحرب. باتت تُطرح أفكار تتعلق بالتنمية وإعادة البناء، وظهرت كيانات مجتمعية تحمل عناوين النهضة والإصلاح وإعادة الإعمار، في محاولة للانتقال من خطاب الصراع إلى خطاب البناء.
غير أن بعض القوى السياسية ما زالت حبيسة المربع الأول؛ مربع الإقصاء والتخوين، حيث تُعاد إنتاج اللغة ذاتها التي غذّت الاستقطاب الحاد وأسهمت في دفع البلاد نحو الانفجار. فبدلاً من الانشغال ببرامج ما بعد الحرب، ما زال الجدل يدور حول من يُقصى ومن يُستبعد، وكأن الأزمة كانت أزمة أشخاص لا أزمة دولة ومنظومة سياسية كاملة.
ومن أبرز مظاهر هذا الخلط، الربط المتعسف بين تجربة حكومة الإنقاذ وبين الإسلام ذاته، بحيث يُقدَّم فشل تجربة سياسية محددة بوصفه فشلاً للمشروع الإسلامي برمته. وهذه مغالطة فكرية تحتاج إلى مراجعة هادئة ومسؤولة.
أولاً: الحوار ضرورة وطنية لا ترف سياسي
فكرة الحوار في حد ذاتها ليست ترفاً، بل ضرورة وجودية في مرحلة ما بعد الحرب. فالمجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى مساحات آمنة لطرح الأفكار والرؤى بعيداً عن الشيطنة والاغتيال السياسي.
لقد اتسمت الفترة الانتقالية الأولى بقدرٍ كبير من الغلو في الخطاب؛ أصبح الصوت الأعلى هو الصوت الأكثر حدة، والأقرب إلى السباب والتوصيفات القاسية. وغالباً ما كان “الآخر” المقصود هو الإسلاميين بمختلف أطيافهم. في ظل هذا المناخ، غاب صوت العقل، وتراجعت لغة المشتركات، مع أن المراحل الانتقالية بطبيعتها تتسم بالسيولة السياسية، وهو ما يتطلب خطاباً منضبطاً يغلّب الوحدة الوطنية على المناكفات الأيديولوجية.
مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تكون أكثر نضجاً ووعياً. والإكثار من منابر الرأي والرأي الآخر ليس مجرد ممارسة ديمقراطية شكلية، بل هو الآلية الوحيدة القادرة على تشذيب الأفكار، ومنع التطرف، وكشف نقاط الضعف قبل أن تتحول إلى أزمات. فالأفكار التي لا تُختبر بالحوار تتحول سريعاً إلى قناعات مغلقة، والقناعات المغلقة هي البوابة الأولى للعنف السياسي.
ثانياً: بين فشل التجربة السياسية وسؤال المشروع الحضاري
إن فشل حكومة الإنقاذ – بما لها وما عليها – لا يعني فشل المشروع الإسلامي في السودان أو في العالم. فالمشروع الإسلامي ليس حزباً سياسياً، ولا تنظيماً بعينه، ولا تجربة حكم محددة. إنه مشروع حضاري يتجاوز الأطر الحزبية، ويعنى بتحقيق كرامة الإنسان ورفاهيته عبر مفهوم شامل لإعمار الأرض، روحياً ومادياً.
الإسلام، في سياق الدولة، لا يُختزل في الشعارات ولا في اللافتات، بل يتمثل في ثلاث قيم كبرى:
العدل بوصفه قيمة مطلقة لا تخضع للهوى أو الانتماء.
الحرية باعتبارها أساس التكليف والمسؤولية.
الحقوق كالتزام أصيل على الدولة تجاه المواطن، ما دام قد أدّى ما عليه من واجبات.
بهذه المعايير، لا يصح اختزال تجربة ثلاثين عاماً في وصف “الدولة الإسلامية” أو تحميل الإسلام مسؤولية إخفاقات سياسية واقتصادية وإدارية، كثير منها لا يختلف – في طبيعته العلمانية أو البراغماتية – عن تجارب حكومات أخرى في المنطقة سقطت في سياقات الربيع العربي.
إن المشروع الحضاري الإسلامي، في جوهره، يتمثل في منظومة قيمية تخاطب الإنسان من حيث هو إنسان، لا من حيث انتماؤه الديني. وهو يتجلى في مقاصد الشريعة الخمس: حفظ النفس، والمال، والدين، والعرض، والعقل. هذه المقاصد ليست شأناً فقهياً محضاً، بل يمكن أن تشكل مرجعية أخلاقية عليا للتشريعات، والعلاقات الدولية، والبحث العلمي، وكل حركة الإنسان فرداً كان أو جماعة. والمشروع الإسلامي لا يفرض على المجتمع وإنما يقدم طرحاً سياسياً والشعب هو الذي يقرر بشأنه بكامل إرادته الحرة.
وعليه، لا يمكن القول إن المشروع الإسلامي قد فشل؛ بل الأدق أنه لم يُقدَّم بعد في صورته الحضارية المتكاملة. وفي ظل التخبط الذي يشهده العالم اليوم، وتزايد الأسئلة حول حدود النموذج الحداثي الغربي وأزماته الأخلاقية والبيئية والاجتماعية، تبرز الحاجة إلى بديل عقلاني يوازن بين المادة والروح، بين التنمية والقيم، وبين القوة والعدل.
ما المطلوب من القوى السياسية؟
أمام القوى السياسية السودانية اليوم مهمتان لا ثالث لهما:
أولاً: الاتفاق على الاحتكام إلى المواطن، لا إلى السلاح ولا إلى التحالفات المغلقة. أي مسار سياسي لا يفضي في نهايته إلى إرادة شعبية حرة وشفافة، سيظل هشاً وقابلاً للانهيار.
ثانياً: الانتقال من خطاب الشيطنة إلى خطاب البرامج. المطلوب رؤى واضحة، وخطط عملية، ومشاريع قابلة للتنفيذ تعيد بناء الدولة، وتضع السودان في مصاف الدول المحترمة، لا إعادة تدوير معارك الماضي تحت عناوين جديدة.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى عقد سياسي جديد يقوم على الاعتراف بالتنوع، وإدارة الخلاف بالحوار، وتقديم الكفاءة على الولاء، والمصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.
فمرحلة ما بعد الحرب ليست ساحة لتصفية الحسابات، بل فرصة تاريخية لإعادة تعريف الدولة، وتجديد الفكرة السياسية، وبناء مشروع وطني جامع يستوعب الجميع دون أن يسمح لأحد باحتكار الوطن.



