تأثير الحرب ضد إيران على دول جنوب شرق آسيا: أمن الطاقة نموذجاً 2/1

د. أحمد عبد الباقي
المتأمل لواقع العلاقات الدولية مؤخرا يلاحظ الاهتمام المتزايد بالطاقة خاصة بعد حرب أوكرانيا التي دخلت عامها الرابع، أضف إلى ذلك تنافس القوى الكبرى للحصول على الطاقة التي لها أثرها سالب في الاستقرار الاقتصادي حينما يضطرب ويتذبذب حجم الاستهلاك العالمي؛ مما يؤثر في مصالح الدول خاصة في مجال ضمان أمن الطاقة الذي يؤرق عدم استقراره صناع القرار على مستوى دول العالم خاصة دول جنوب شرق آسيا التي تعتمد بشكل رئيسي على إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط التي تمر بصورة أساسية من مضيق هرمز، تسلط هذه المساهمة الضوء على تأثر أمن الطاقة في بعض دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) بسبب الحرب في الشرق الأوسط، والتدابير التي اتخذتها وتتخذها بعض هذه الدول للحد من تأثير اضطراب أمن الطاقة لديها.
أمن الطاقة: ما هو مفهوم أمن الطاقة؟
يعد مفهوم أمن الطاقة مفهوما جديدا، حيث إن “تشرشل” هو أول من طرح تعريفا لهذا المفهوم حينما أشار إلى أن: “أمن الطاقة يكمن في التنوع والتنوع فقط”. وقد كان يقصد من خلال تعريفه التأكيد على تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على مصدر واحد، مثل ما وقع في عام 1973م حينما أوقفت الدول العربية تصدير النفط إلى أمريكا وبعض الدول الغربية للضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة، وسبق أيضا أن نبهت الثورة الإيرانية في عام 1979م إلى ضرورة الاهتمام بمفهوم أمن الطاقة؛ مما يعني أن إيران تفهم جيدا بصورة مبكرة تأثير الطاقة على الأمن والعلاقات الدولية.
يتباين معنى مصطلح أمــن الطاقــة بيــن الــدول الصناعيـة الأكثر اسـتيرادا للنفـط والأخرى المنتجـة والمصــدرة لــه. فالفئــة الأولى تعرفــه بأنــه القــدرة علــى تحقيــق وفــرة فــي إمــدادات الطاقــة دون أي انقطــاع عبر تنويــع مصادرهــا، أمــا بالنســبة للــدول المصــدرة فمعنــاه يرتبــط بوجــود أســواق مســتهلكة وأســعار مقبولــة، فضلا عــن وجــود إمكانــات للبنيــة التحتيــة اللازمة. ومــن بيــن دول العالــم لدول الشــرق الأوسط دور محوري فــي تأميــن إمــدادات الطاقــة واســتقرار الأسواق العالميــة للطاقــة بكافــة أشــكالها، حيث ساهم الموقــع الجغرافــي لــدول الشــرق الأوسط في تمتعها بمصـادر متنوعـة للطاقـة مـن نفط وغـاز طبيعـي، وصولا إلــى الطاقــات المتجــددة والهيدروجيــن الــذي تتنافــس عليــه الــدول الآن، وتطمــح فــي تنــوع مصــادر الطاقــة مــن خلاله.
اتخذ مفهوم أمن الطاقة معاني متعددة حسب رؤية المصالح القومية للدول المنتجة وتلك الأخرى المستهلكة، مثلا: تُعَرِّف وكالة الطاقة الدولية مفهوم أمن الطاقة بأنه “الحفاظ على سلامة مصادر الطاقة المتنوعة وضمان سلامة مصادر الإنتاج وضمان سلامة وصول منتجات الطاقة إلى مستخدميها.” بينما تعرفه الأمم المتحدة بأنه “الحالة التي تكون فيها إمدادات الطاقة متوافرة في كل الأوقات وبأشكال متنوعة ومتعددة وبكميات كافية وبأسعار مناسبة ومعقولة. وبذلك فإن قضايا الأمن الطاقوي تتأرجح بين وفرة الإمدادات، وفي كل الأوقات وبأسعار مناسبة، ويعد هذا المفهوم مفهومًا تقليديًّا يخدم مصالح المستهلكين للطاقة لصالح المنتجين لها”.
وحددت المفوضية الأوروبية أربع دعائم رئيسية يستند إليها أمن الطاقة الأوروبي وهي: “العمل على التنويع في مصادر الطاقة، وهو الأمر الذي من شأنه التقليل من التبعية لمورد أو لدولة معينة؛ إدارة بند الطلب عن طريق طرح مفاهيم مختلفة تتعلق بمبدأ كفاءة استخدام الطاقة وبهدف تخفيض استهلاك الطاقة على قدر الإمكان؛ إدارة قوية والتحكم في العرض الخارجي عن طريق الدخول في شراكات قوية مع الدول الرئيسية، والتي يعتمد عليها الاتحاد الأوروبي في تأمين متطلباته من النفط والغاز والعمل على تجنب الأزمات في سوق الطاقة، عن طريق قناعة، مفادها أن تحقيق أمن العرض يتطلب بالضرورة أن تكون الأسواق منتظمة بطريقة قوية حيث لا تتأثر بأزمات قدر المستطاع”.
يصعب مع وصف المفهوم بالصور أعلاه تحديد معنى دقيق لأمن الطاقة، فقد شاب التعريف قصور في الإحاطة بمعناه الدقيق؛ لأن زويا النظر تختلف من منظور المنتج والآخر المستهلك؛ مما يجعل تحقق أمن الطاقة صعب المنال، كما أن أمن الطاقة لا ينحصر في الجانب الاقتصادي وحده، وإنما يشمل أبعادا متعددة مثل: الأمنية، البيئية والسياسية والعسكرية مما ينعكس على أسعار الطاقة، هنالك أيضا من ينظر إلى أمن الطاقة بأنه أداة للهيمنة والنفوذ والتأثير أي أنه أداة تحكم جيوسياسية، جيو اقتصادية وأمنية كما هو مثال للعيان في العدوان على إيران وتأثر دول الشرق الأوسط بذلك العدوان؛ مما أثر في الإنتاج، وانعكس سلبا على الاستهلاك العالمي حينما قفزت أسعار الطاقة في العالم كله، وتأثرت الدول المستهلكة للطاقة.
تأثير التوترات العسكرية على أمن الطاقة في جنوب شرق آسيا:
مع تصاعد التوترات والعمليات العسكرية في الشرق الأوسط التي سببها عدوان أمريكا وإسرائيل على إيران، فإن تداعيات الصراع بدأت تمتد إلى دول بعيدة جغرافياً، لكنها شديدة الاعتماد على الطاقة المستوردة، وفي مقدمتها دول جنوب شرق آسيا التي تعتمد إلى حد بعيد على النفط والغاز المستورد من الخليج العربي حيث صارت دول جنوب شرق آسيا أكثر عرضة لاضطرابات الإمدادات وتقلبات الأسعار، مما يثير مخاوف حقيقية بشأن أمن الطاقة لتلك الدول، ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه أسواق النفط العالمية حالة من عدم اليقين؛ بسبب المخاوف من تعطل الإمدادات في الممرات البحرية الحيوية، خاصة مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
يمتد تأثير الحرب إلى دول جنوب شرق آسيا؛ لأن العديد من اقتصادات جنوب شرق آسيا تعتمد على واردات الطاقة من الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الوقود الذي يعد عصب الاقتصاد والتنمية في هذه الدول؛ تحتل دول جنوب شرق آسيا المرتبة الثالثة عالميا من حيث قوة العمل، وتبلغ حصتها من الناتج الصناعي العالمي نسبة 4.3% وهي الرابعة عالميا من حيث التصدير، وذلك بنسبة 7% وهي أيضا بيئة استثمارية واعدة؛ مما يرشحها لتبوء مرتبة متقدمة عالميا في الاقتصاد حيث وصل الناتج المحلي لدول جنوب شرق آسيا في عام 2024م (3.9) ترليون دولار أمريكي بمعدل نمو سنوي بلغ 4% في الفترة من 2015-2024م ، كما يبلغ عدد سكانها 683 مليون نسمة، ويعتبر اقتصادها الأكبر في المرتبة الخامسة على الصعيد العالمي من بعد أمريكا الصين، اليابان وألمانيا.
عامل مضيق هرمز:
تزداد المخاوف في أسواق جنوب شرق آسيا من احتمال تعطل الملاحة في مضيق هرمز نتيجة التصعيد العسكري حيث يمر عبر هذا المضيق نحو خمس تجارة النفط العالمية، كما أنه الطريق الرئيسي لنقل النفط من دول الخليج إلى الأسواق الآسيوية، وأي تعطيل لحركة الملاحة فيه قد يؤدي إلى: ارتفاع حاد في أسعار النفط، تأخر الشحنات النفطية، زيادة تكاليف النقل والتأمين البحري.
العوامل المذكورة أعلاه قد تضغط بشدة على اقتصادات جنوب شرق آسيا التي من أكثر دولها اعتماداً على نفط الخليج هي: سنغافورة، تايلاند، فيتنام، إندونيسيا، وتشير تقديرات الطاقة العالمية إلى أن بعض هذه الدول تستورد مع دول آسيوية أخرى أكثر من 60% من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، مما يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطرابات في المنطقة تتأثر بها مصادر الطاقة وطرق نقلها كما هو الحال في مضيق هرمز.
يتواصل…….



