رأي

عندما تعيد القوة تعريف الإرهاب: قراءة في قرار واشنطن حول السودان

 

د. إسماعيل ساتي

بصرف النظر عن الدقة التاريخية أو الواقعية، فإن تصنيف وزارة الخارجية الأمريكية لـ (الإخوان المسلمين في السودان) كتنظيم إرهابي يكشف من البداية عن جهل بالواقع السياسي السوداني وعن مغالطة منهجية. فالتيار الإسلامي في السودان متشعب ومعقد، ويستحيل اختزاله في مسمى واحد. فمحاولة تسمية هذا التيار بالإخوان المسلمين ليست مجرد تبسيط، بل تشويه للواقع السياسي والاجتماعي في السودان. وبصرف النظر عن التسميات، يثير القرار أسئلة أعمق: عن السياسة التي تعيد تعريف الإرهاب وفق مصالح القوى الكبرى، وعن الرواية التي تختزل الحرب السودانية إلى أيديولوجيا واحدة متجاهلة الديناميات الحقيقية للصراع.

 

ليس مستغرباً أن تُصدر وزارة الخارجية الأمريكية قراراً بتصنيف جهة ما (منظمة إرهابية أجنبية). فالقوة العظمى في النظام الدولي تمتلك بطبيعة الحال القدرة على إصدار مثل هذه التصنيفات.

لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بقدرة القوة على التصنيف، بل بـ المنطق الذي يُنتج هذا التصنيف:

هل هو توصيف قانوني موضوعي لظاهرة العنف؟ أم أنه جزء من سردية سياسية تُصاغ لخدمة صراع أكبر؟

القرار الأخير بشأن (جماعة الإخوان المسلمين) في السودان لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الأوسع للحرب السودانية.

فالحرب التي اندلعت في السودان لا تُفهم في الغرب غالباً إلا عبر رواية مبسطة تقول إنها (حرب بين جنرالين).

هذه الرواية جذابة إعلامياً لأنها تختصر مأساة بلد كامل في صراع شخصي بين قائدين عسكريين.

لكن المشكلة أنها ليست وصفاً دقيقاً لما يجري.

فما يحدث في السودان، رغم تعقيداته الداخلية، يحمل في جوهره سمات صراع آخر أكثر عمقاً:

صراع إقليمي حول بقاء الدولة السودانية نفسها.

الجيش السوداني لم يدخل هذه الحرب باعتبارها مغامرة سياسية، بل وجد نفسه في مواجهة قوة عسكرية موازية تم بناؤها خارج بنية الدولة. وبصرف النظر عن المسؤول عن ذلك، فقد تضخمت هذه القوة تدريجياً حتى أصبحت قادرة على تحدي المؤسسة العسكرية الوطنية. هذه القوة لم تتطور في فراغ.

فخلال سنوات طويلة نشأت حولها شبكة دعم إقليمية ودولية وفرت لها التمويل والتسليح والغطاء السياسي.

وهنا يصبح من الصعب تفسير ما يجري باعتباره مجرد صراع داخلي على السلطة.

فالصورة الأقرب إلى الواقع هي صراع بين مؤسسة دولة تقاتل للبقاء وبين مشروع تفكيك يفتح المجال أمام إعادة تشكيل السودان وفق توازنات إقليمية ودولية جديدة.

في هذا السياق تحديداً يأتي القرار الأمريكي الأخير.

فالبيان الرسمي يربط جماعة (الإخوان المسلمين في السودان) بالعنف ضد المدنيين، ويضيف في منتصف القرار إشارة إلى أن مقاتلين من كتيبة البراء بن مالك تلقوا تدريباً أو دعماً من الحرس الثوري الإيراني.

غير أن هذا الادعاء، الذي يبدو وكأنه أُدرج لتدعيم الرواية السياسية للقرار، لم تُقدم له حتى الآن أدلة موثقة أو تحقيقات مستقلة تؤكده. وفي غياب مثل هذه الأدلة، يبقى الربط بين المقاتلين السودانيين والحرس الثوري الإيراني أقرب إلى فرضية سياسية ساذجة منه إلى حقيقة مثبتة.

لكن هذا الربط يثير بدوره سؤالاً منهجياً:

لماذا يجري التركيز على فاعلين محددين بينما يتم تجاهل أدوار فاعلين أشد تأثيراً في الحرب نفسها؟

في الحروب المعقدة، لا يوجد طرف واحد يحتكر العنف. لكن السياسة الدولية كثيراً ما تختار زاوية واحدة من المشهد وتضخمها حتى تصبح هي الرواية الرسمية الوحيدة.

وهنا يظهر البعد السياسي لمفهوم الإرهاب.

فمن المنظور القانوني، الإرهاب مفهوم محدد يتعلق باستهداف المدنيين لتحقيق أهداف سياسية.

لكن في الممارسة الدولية المفروضة بمنطق السطوة غالباً ما يتحول إلى أداة تصنيف سياسي:

تُستخدم لتجريم خصوم معينين، بينما يتم التغاضي عن ممارسات مشابهة إذا صدرت عن أطراف أخرى.

هذه الانتقائية ليست مجرد تفصيل أخلاقي؛

بل لها تأثير مباشر على مسار الصراعات.

فعندما يتم تصوير الحرب السودانية باعتبارها مجرد صراع بين جنرالين، يتم إخفاء السؤال الأهم:

من يسلّح ويغذي هذه الحرب؟

وحين يتم التركيز على فاعلين سياسيين محددين بوصفهم مصدر المشكلة، بينما تُترك شبكات التمويل والدعم الإقليمي خارج النقاش، فإن النتيجة تكون تشويهاً متعمداً لبنية الصراع نفسها.

ومن منظور الفكر المنظومي الذي دائماً ما يمثل مرجعيتنا الفكرية، الحروب ليست أحداثاً معزولة بل هي نتاج تفاعل شبكات من القوى والمصالح.

والحرب السودانية تقدم مثالاً واضحاً على ذلك.

فهي ليست فقط صراعاً داخلياً،

وليست فقط حرباً بالوكالة،

بل هي أيضاً محاولة لإعادة تشكيل التوازن داخل الدولة السودانية نفسها.

في مثل هذه السياقات يصبح استهداف مؤسسة الجيش مسألة محورية.

فالجيش في الدول الهشة لا يمثل مجرد جهاز عسكري؛ بل يمثل في كثير من الأحيان آخر أعمدة الدولة القادرة على الحفاظ على تماسكها.

ولهذا السبب تحديداً فإن انهيار الجيوش في عدد من الدول خلال العقد الماضي كان غالباً مقدمة لانهيار الدولة نفسها.

وفي هذا السياق تحديداً يمكن فهم الحملة السياسية والإعلامية التي ظلت تُكرر (وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة وبعض أذنابها) أن الجيش السوداني ليس سوى (جيش للإخوان المسلمين). فمثل هذه الرواية لا تعمل فقط على توصيف سياسي للجيش، بل تهدف عملياً إلى نزع الشرعية عن المؤسسة العسكرية الوطنية نفسها، تمهيداً لتبرير إضعافها أو استهدافها.

وعندما تُقدَّم مؤسسة الجيش في دولة ما باعتبارها مجرد ذراع لحركة أيديولوجية، فإن ذلك يفتح الباب لإعادة تعريف الصراع كله: من صراع حول بقاء الدولة إلى صراع ضد (تنظيم سياسي).

وهنا تحديداً تكمن خطورة هذه السردية، لأنها لا تستهدف طرفاً سياسياً بعينه بقدر ما تستهدف الركيزة المؤسسية التي تقوم عليها الدولة السودانية نفسها.

وإذا نظرنا إلى السودان من هذه الزاوية، يصبح السؤال مختلفاً تماماً:

هل الحرب فعلاً مجرد صراع على السلطة بين جنرالين؟

أم أنها صراع حول تفكيك مركز القوة الذي يمسك الدولة معاً؟

وفي خضم هذا الجدل جاء بيان وزارة الخارجية السودانية رداً على القرار الأمريكي.

فالبيان أكد إدانة السودان المبدئية لكل أشكال الإرهاب والتطرف العنيف، دون استثناء أو انتقائية، وأعلن أن أي جماعة ترتكب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني في السودان ينبغي تصنيفها جماعة إرهابية. غير أن هذا التعميم المخل أثار لدى البعض تساؤلات حول اعتراف الحكومة بممارسات عنيفة منسوبة لقوى مساندة للجيش السوداني، وفتح الباب للشكوك حول اختزال الصراع في صياغات عامة دون تحديد دقيق للفاعلين.

وأشار البيان صراحة إلى تصنيف قوات الدعم السريع جماعة إرهابية، مستنداً إلى ما وصفه بجرائم موثقة تشمل القتل الجماعي للمدنيين والانتهاكات الواسعة للقانون الدولي الإنساني.

هذا الرد يعكس بلا شك محاولة سودانية لإعادة توجيه النقاش الدولي نحو طبيعة الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب، لكنه يترك السؤال الأهم مطروحاً: هل يكفي مثل هذا الرد لحماية السيادة السردية والسياسية للسودان؟

ففي النظام الدولي المعاصر، لا تُحسم المعارك بالأسلحة وحدها، بل أيضاً بالروايات التي تُبنى حول الصراع.

وعندما تتشكل الرواية الدولية للحرب في مؤسسات القوة الكبرى، يصبح من الصعب على الدول التي تعيش الصراع أن تعيد صياغة صورتها في الوعي العالمي.

قرار واشنطن الأخير يبدو وكأنه جزء من معركة الروايات هذه.

فالتصنيفات السياسية لا تعمل فقط على المستوى القانوني، بل تعمل أيضاً على مستوى تشكيل الوعي الدولي بالصراع.

وعندما تُصاغ الرواية بطريقة تجعل أحد أطراف المعادلة يبدو المصدر الوحيد للفوضى، فإن ذلك يساهم في إعادة ترتيب المواقف الدولية تجاه الحرب.

لكن التاريخ يعلمنا أن أخطر ما يمكن أن يحدث في الصراعات المعقدة هو تبسيطها سياسياً.

لأن الحروب التي يُساء فهمها غالباً ما تطول، والحلول التي تُبنى على روايات ناقصة نادراً ما تقود إلى سلام مستدام.

في النهاية، قد تمتلك القوى الكبرى القدرة على تصنيف الإرهاب كما تشاء.

لكن هذه القدرة لا تمنحها بالضرورة القدرة على إعادة تعريف الواقع نفسه.

فالصراعات العميقة، مثل الصراع الذي يعيشه السودان اليوم، لا تُحسم بالبيانات الدبلوماسية، بل بالحقائق التي تتكشف على الأرض وبقدرة المجتمعات على الدفاع عن دولتها عندما تجد نفسها أمام خطر الانهيار.

والسؤال الذي سيظل مطروحاً في النهاية ليس فقط:

من الذي صنفته واشنطن إرهابياً؟

بل السؤال الأعمق:

هل يدرك العالم طبيعة الحرب التي يخوضها السودان حقاً؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى