رأي

نور محمدين .. لحظات باقية

 

 

منها هي تبقى اللحظات باقية عميقاً في النفوس لأنها صافية و صادقة و عميقة ..
إنها الأم ..
أدركت باكراً فيَّ نفوراً من تناول اللحوم في أعياد الأضحية و دأبت علي أن تعد لي وجبة إفطار من سمك البلطي بياضه من بياض محبتها و عمقها.
كنت أتناول الوجبة بأشهى ما يكون و يبقي طعمها العيد كله تتسرب بين أضلعي شبعا و تعقبها بعصير مثلج بارد ليس أشهي منه .
كان دأبها أن تتحسس رغباتي و مطالبي و تلبيها قبل أن أطلبها لا يصرفني عن إفطارها في العيد صارف ضيوف أو دعوات .
شملتني برعاية لا مثيل لها أنا و إخوتي و رغم أنا كنا على علاقات واسعة إلا أنها تسع كل ضيوفنا من يشرفنا ساعة طعام أو وقت مبيت ..
كانت تقوم على محبة عميقة لإخوتها و أخواتها ترعى شأنهم و كأنها ولدتهم، تكمل نواقصهم في العيد من طعام و شراب و ملابس و عيدية لأطفالهم .
رعت والدي بمثلما رعتنا و كانت تقوم على ضيوفه بأعدادهم الكبيرة و كانوا من الشيوعيين و لم تمنعها عنهم بغضاء و لا كراهية و لم تكن تحمل منها شيئاً، و بمثل ما كانت ترعى ضيوفنا من الإسلاميين رعتهم .
في أيام الإنتخابات تخرج طعامها للفريقين المتخاصمين من الإفطار و الغداء و العشاء و فرش من يبيت في بيتنا أو من بقوم على حراسة خيمتهم الإنتخابية .
تقوم علي شأن الجيران مثلما تقوم بشأن أبنائها و إخوتها لا تنام إلا بعد أن تطمئن لإكتمال حاجاتهم في العيد .
كثير من الأشياء العميقة التي تقوم بها سراً و كثير منها لا نعلمه منها بل من الذين وسعتهم بفضلها .
علمت أن صبية من الحي وقعت في خطأ كبير حيث حملت سفاحاً و لم تعنفها و تغلظ عليها بل أعدت لها مكاناً خفياً و رعتها حتي حانت ساعة ولادتها فأحضرت (الداية) و أشرفت عليها و على مولودها ثم حملتها لدار رعاية و أودعت المولود و حثت الأم علي رعاية مولودها و تسميته و إرضاعه و شجعت الأم على حث والده ليعترف به و أن يحسن إليهما بالإعتراف بما إغترف و أن يكمل زواجه ليعيش المولود بين والديه.
لم تنقطع يوماُ عن إصطحاب الأم لزيارة إبنها و إرضاعه و تربيته و هو في ذاك البيت الذي يشق علي الناس الإنتساب إليه .
تواصل فضلها على من في ذاك البيت و رعت منهم و هم في مقامهم و تواصلت معهم إلى تلقي دراساتهم و تيسير حياتهم بالمضي في التعليم و نسيان أو تناسي مآسيهم الخاصة .
كانت لحظاتها التي تفيض بها علينا و على من حولنا هي اللحظات الباقية التي لا تنسي
كأنما كانت تستقي عواطفها و جهدها و خيرها من إسمها فقد كان إسمها (نور محمدين) و بقي نورها ساطعا و كأنه من إسم والدها (محمدين) و ليس حمداً واحداً و تسعى و كأنها تستمد عملها من إسم والدتها (رابعة) فقد كانت بحق في حسن طاعتها لربها و زهدها كما كانت رابعة العدوية .
في كل عيد آجد لذة و مشقة ذكراها و أتمني و أسأل الله أن يكتسب أبنائي و إخوتي من سيرتها و يكونوا جميعا و نكون نورا على من حولنا فقد علمتنا أن تشمل بمحبتها زوجاتنا و أهلهم و أزواج شقيقاتي و ذويهم و جميع من نعرف و من هم حولنا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى