رأي

الإسلاميون في السودان: هل كلهم (إخوان مسلمون)؟

 

 

د. إسماعيل ساتي

 

في خضم التعقيدات السياسية التي يعيشها السودان اليوم، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف ما أسمته “تنظيم الإخوان المسلمين في السودان” منظمة إرهابية. ومهما اختلفت المواقف من هذا القرار، فإن ما يلفت الانتباه ليس فقط دلالاته السياسية، بل أيضاً ما يكشفه من قدر كبير من التبسيط المخل في فهم الخريطة الفكرية والتنظيمية للحركات الإسلامية في السودان.

 

وبالرغم من أن الاتهامات التي أُلصقت بالإسلاميين في السودان، والتي على ضوئها قامت وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف (الإخوان المسلمين في السودان) كجماعة إرهابية، هي اتهامات لم تُقدَّم بشأنها براهين أو دلائل معلنة تبرر هذا التصنيف، فإننا (بصرف النظر عن هذا الجانب من النقاش) نحاول في هذا المقال تناول المسألة من زاوية أخرى، تتعلق بالفهم التاريخي والفكري لتطور الحركة الإسلامية في السودان، بعيداً عن الجدل السياسي المباشر.

 

ففي الخطاب السياسي والإعلامي السائد، داخل السودان وخارجه، يجري أحياناً اختزال كل التيارات الإسلامية السودانية في كيان واحد يسمى (الإخوان المسلمون)، ثم تُلصق بهذا الكيان جميع التهم السياسية والأمنية. غير أن هذا الاختزال لا يعكس الواقع التاريخي ولا الفكري، بل يكشف عن جهل بطبيعة تطور الحركة الإسلامية السودانية وتعقيدات مساراتها التنظيمية والسياسية.

 

ولفهم هذه المسألة، لا بد من الإجابة عن ثلاثة أسئلة أساسية:

من هم الإخوان المسلمون؟

وهل كل من ينتمي إلى التيار الإسلامي يُعد إخوانياً؟

وكيف اختلفت التجربة السودانية للحركة الإسلامية عن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين؟

 

أولاً: من هم الإخوان المسلمون؟

 

تأسست جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 في مصر على يد حسن البنا وطرحت مشروعاً إصلاحياً يقوم على التربية والدعوة وبناء المجتمع المسلم، ثم العمل السياسي التدريجي لإقامة نظام يستلهم الشريعة الإسلامية.

 

وقد انتشرت الجماعة في عدد كبير من الدول، لكنها ظلت في أصلها تنظيماً له بنية خاصة، تقوم على البيعة التنظيمية، والهرمية الصارمة، والارتباط بما يعرف بالتنظيم الدولي.

 

ومن هنا فإن (الإخوان المسلمين) ليسوا وصفاً عاماً لكل من يعمل في المجال الإسلامي، بل اسم لتنظيم محدد له فلسفة تنظيمية وفكرية خاصة.

 

ثانياً: هل كل إسلامي هو إخواني؟

 

التيار الإسلامي في العالم الإسلامي أوسع بكثير من جماعة الإخوان المسلمين.

 

فقد ظهرت مدارس متعددة: سلفية، دعوية، حركية، إصلاحية، وصوفية، كما ظهرت تنظيمات مستقلة لا تتبع للإخوان، مثل حزب التحرير الذي تأسس في خمسينات القرن الماضي بمشروع مختلف يقوم على فكرة الخلافة العالمية ويرفض العمل الحزبي الوطني التقليدي.

 

وفي السودان نفسه لم يكن العمل الإسلامي محصوراً في تنظيم واحد، بل عرف منذ وقت مبكر تعدد الاتجاهات، خاصة في الوسط الطلابي، حيث تأثرت بعض المجموعات بالإخوان، وتأثرت أخرى بمدارس مختلفة، مما جعل الحركة الإسلامية السودانية تتشكل منذ البداية على نحو أكثر تنوعاً من التجربة المصرية.

 

ولهذا فإن اختزال كل من ينتمي إلى التيار الإسلامي في السودان في أنه (إخوان مسلمون) هو تبسيط لا يصمد أمام أي قراءة تاريخية جادة.

 

ثالثاً: جبهة الميثاق الإسلامي وبداية الاختلاف مع الإخوان

 

عندما تأسست جبهة الميثاق الإسلامي في ستينات القرن الماضي بقياد حسن الترابي، لم تكن مجرد امتداد تنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين، بل كانت محاولة لصياغة مشروع إسلامي سوداني ذي طابع سياسي علني، يعمل داخل النظام الحزبي، ويخاطب المجتمع كله لا أعضاء التنظيم فقط.

 

وهنا بدأ الخلاف الحقيقي.

 

فقد كان الترابي يرى أن الحركة الإسلامية يجب أن تتحول إلى حركة سياسية جماهيرية مفتوحة، بينما كان الاتجاه الإخواني الكلاسيكي يميل إلى الحفاظ على البناء التنظيمي المغلق القائم على البيعة والتدرج التربوي الصارم، ولعل ذلك لأسباب أمنية بحتة عاشها اعضاء الجماعة، بعكس العمل السياسي الحر الذي تمتعت به الأحزاب السياسية في السودان.

 

وبسبب هذا الخلاف انشقت مجموعة من الإخوان بقيادة الأستاذ الصادق عبدالله عبد الماجد ورفضت الاندماج في جبهة الميثاق، واحتفظت باسم الإخوان المسلمون، وظلت مرتبطة بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين حتى اليوم، بخلاف بقية التيار الإسلامي السوداني الذي تطور في مسارات مختلفة.

 

وهذه نقطة جوهرية يغفلها كثير من المحللين: فليس كل الإسلاميين في السودان إخواناً، بل إن الإخوان أنفسهم كانوا تياراً من عدة تيارات داخل الحركة الإسلامية.

 

رابعاً: من جبهة الميثاق الإسلامي إلى الجبهة الإسلامية القومية

 

تطورت الحركة لاحقاً إلى الجبهة الإسلامية القومية في منتصف الثمانينات، ثم بعد استيلاء الجيش على مقاليد الحكم في 1989 تطورت إلى حركة إسلامية غير منظمة حتى تأسيس حزب المؤتمر الوطني، كحزب سياسي يضم كافة الشرائح من فئات المجتمع والأطياف السياسية والملل الدينية. وخلال هذا التطور ابتعدت الحركة أكثر فأكثر عن النموذج الإخواني التقليدي.

 

فبينما ظل الإخوان تنظيماً دعوياً في الأصل يسعى إلى التأثير التدريجي في المجتمع، تحولت الحركة الإسلامية السودانية إلى مشروع سياسي مباشر يعترف بالتعددية السياسية ويسعى إلى الوصول إلى السلطة وإدارة الدولة.

 

وهذا التحول لم يكن مجرد اختلاف في الوسائل، بل كان اختلافاً في فلسفة العمل الحركي الذي خرج مبكراً من عباءة سيد قطب.

 

خامساً: الترابي وفلسفته المختلفة عن الإخوان

 

الفكر الإخواني الكلاسيكي يقوم على ثلاث ركائز:

• التنظيم الهرمي الصارم

• التربية قبل السياسة

• التدرج الطويل في التغيير

 

أما فكر حسن الترابي فقد اتجه إلى:

• توسيع مفهوم الحركة ليشمل المجتمع كله

• تقليل مركزية التنظيم

• تقديم الاجتهاد السياسي على الالتزام التنظيمي

• قبول التعدد الحزبي والعمل العلني

• التعامل مع الدولة باعتبارها مجالاً للاجتهاد لا مجرد وسيلة للدعوة

 

ولهذا اصطدمت رؤية المنتمين لمدرسة الترابي منذ وقت مبكر مع المدرسة الإخوانية التقليدية، التي كانت ترى أن الانضباط التنظيمي هو الضمان الأساس لبقاء الحركة.

 

سادساً: المنظومة الخالفة… القطيعة الفكرية الأخيرة

 

بلغ اختلاف الترابي مع الفكر الإخواني ذروته في ورقته الأخيرة المعروفة بعنوان (المنظومة الخالفة المتجددة).

وفي هذه الورقة طرح الترابي تصوراً يتجاوز فكرة التنظيم الإسلامي نفسه، ويدعو إلى قيام منظومة حضارية ذات جلباب واسع يضم المسلمين وغير المسلمين من أبناء الوطن الواحد، وتقوم على الشورى والاجتهاد والتعدد، بدلاً من التنظيم العقائدي المغلق.

 

ففي هذا التصور:

• لا تكون الحركة الإسلامية تنظيماً خاصاً

• ولا يكون الانتماء عبر البيعة

• ولا يكون التغيير عبر جماعة واحدة

• بل عبر مجتمع كامل يشارك في بناء نظام إسلامي متجدد

 

وهذا الطرح يختلف جذرياً عن فلسفة جماعة الإخوان المسلمين التي تقوم على فكرة الجماعة المنظمة التي تقود عملية التغيير.

 

ولهذا يمكن القول إن ورقة (المنظومة الخالفة المتجددة) تمثل محاولة فكرية لإخراج الحركة الإسلامية السودانية نهائياً من الإطار الإخواني الكلاسيكي.

 

وعليه نقول:

إن تصوير كل التيار الإسلامي في السودان على أنه امتداد واحد لجماعة الإخوان المسلمين ليس قراءة علمية للتاريخ، بل اختزال سياسي قاصر ومضلل يخدم صراعات معاصرة.

 

فالحركة الإسلامية السودانية عرفت منذ نشأتها تعدداً في المدارس، واختلافاً في الرؤى، وانشقاقات تنظيمية واضحة، بل ومحاولات فكرية للخروج الكامل من النموذج الإخواني.

 

ومن هنا فإن إلصاق تهمة واحدة بكل هذه التجارب المختلفة لا يكشف قوة في التحليل، بل يكشف ضعفاً في الفهم، أو رغبة في استخدام السياسة بدلاً من التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى