رأي

التقرير الصحفي الشهري للشرطة… نهج مؤسسي يستحق الإشادة

عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان

في خضم الأحداث المتلاحقة التي تعيشها البلاد، يمر التقرير الصحفي الشهري لرئاسة قوات الشرطة مرورًا عابرًا عند كثيرين، رغم أنه يمثل تجربة مؤسسية تستحق الوقوف عندها. فالتقرير لا يقتصر على عرض أخبار المؤسسة، وإنما يضع أمام الرأي العام خلاصة ما أنجزته الشرطة خلال شهر كامل بلغة الأرقام والإحصاءات، وهو نهج نفتقده في معظم مؤسسات الدولة.

ويقول رائد الإدارة الحديثة، Peter Drucker: “ما لا يمكن قياسه، لا يمكن تحسينه.” (If you can’t measure it, you can’t improve it.) ولعل هذه المقولة تلخص أهمية التقارير الدورية؛ فهي ليست مجرد وسيلة للإعلام، بل أداة لقياس الأداء، وتقييم النتائج، وتصحيح المسار.

وفي تقديري، تكاد الشرطة السودانية تكون المؤسسة الحكومية الوحيدة التي دأبت على إصدار تقرير صحفي شهري بصورة منتظمة. وهذه ممارسة تستحق الإشادة، لأنها تؤكد احترام حق المواطن في المعرفة، وتوفر للإعلاميين والباحثين والمهتمين بالشأن الأمني معلومات تستند إلى وقائع وأرقام، بعيدًا عن الشائعات أو الاجتهادات.

وقد سبق أن دعونا، في مقال سابق، إلى نشر الخطوط العريضة والمؤشرات العامة للتقرير الجنائي السنوي الذي تصدره الإدارة العامة للمباحث المركزية، وقلنا إن هذه المؤشرات ليست أسرارًا أمنية ولا عسكرية. بل إن مثل هذه التقارير متاحة على المواقع الرسمية لأجهزة الشرطة في كثير من دول العالم، لأنها تمثل أداة لقياس الأداء، وتساعد الباحثين وصناع القرار في قراءة الواقع الجنائي، كما تعزز الشفافية والثقة في مؤسسات إنفاذ القانون.

وجاء التقرير الصحفي لشهر يونيو، الذي استعرضه سعادة العميد شرطة فتح الرحمن محمد التوم، الناطق الرسمي باسم قوات الشرطة، ليؤكد أن المؤسسة تمضي في هذا الاتجاه. فقد استعرض أبرز أنشطة الشرطة خلال الشهر، من مشاركة وزير الداخلية والمدير العام لقوات الشرطة في مؤتمر القمة الخامسة لوزراء الداخلية وأجهزة الشرطة بنيويورك، إلى متابعة قيادة الشرطة لإعادة تأهيل المنشآت الشرطية، فضلًا عن الأداء الأمني والخدمي في مختلف الإدارات.

كما أبرز التقرير استمرار تعافي المؤسسة بعد ما لحق بها من أضرار خلال الحرب، من خلال التوسع في خدمات الجوازات والسجل المدني والمرور، وإنجاز أعداد كبيرة من المعاملات، والمضي في مشروع التحول الرقمي، إلى جانب مواصلة الانتشار الأمني، ومكافحة المخدرات، وتأمين المنشآت الحيوية والمعابر والأسواق، والتوسع في الشرطة المجتمعية، وهي جهود تستحق التقدير في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

ومن الإيجابيات التي يحسبها التقرير للشرطة أيضًا استمرارها في تقديم خدماتها على مستوى الولايات، وتأمين الموسم الزراعي في ولايات الوسط، ومساندة القوات المسلحة في ولايات كردفان، ومواصلة حملات تنظيم الوجود الأجنبي، وهي مؤشرات تؤكد أن المؤسسة استعادت جانبًا مهمًا من قدراتها التشغيلية، رغم التحديات التي فرضتها الحرب.

ومع ذلك، فإن التجربة يمكن أن تصبح أكثر نضجًا إذا أضيفت إلى التقارير مؤشرات تقيس الأداء، مثل معدلات الجريمة مقارنة بالفترات السابقة، ونسب كشف البلاغات، وسرعة الاستجابة، لأن هذه البيانات تمنح القارئ صورة أكثر اكتمالًا، وتجعل التقرير مرجعًا إحصائيًا وتحليليًا، لا مجرد عرض للأنشطة.

كما أن بعض الأرقام الواردة في التقرير، خاصة ما يتعلق بجرائم الأموال وضبط الأسلحة غير المشروعة، تستدعي قراءة تحليلية أوسع، لكنها في الوقت نفسه تعكس طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد، ولا تنتقص من الجهد الكبير الذي تبذله الشرطة في استعادة الأمن وإنفاذ القانون.

إن استمرار إصدار التقرير الصحفي الشهري يمثل مكسبًا للشرطة وللدولة معًا. فهو يرسخ ثقافة الإفصاح، ويعزز الشفافية، ويؤكد أن المؤسسة الواثقة من أدائها لا تتردد في مخاطبة الرأي العام بلغة الحقائق والأرقام. ولعل الأمل أن تحذو بقية مؤسسات الدولة هذا النهج، حتى يصبح التواصل مع المواطنين جزءًا أصيلًا من العمل العام، لا استثناءً.

فالشرطة لا تؤدي واجبها في الميدان فحسب، بل تؤدي أيضًا واجبًا آخر لا يقل أهمية، وهو إطلاع المواطنين على ما تقوم به بشفافية وانتظام. وهذه رسالة مؤسسية تستحق كل تقدير، لأنها تعزز الثقة بين الشرطة والمجتمع، وتؤكد أن الأمن لا يقوم على الجهد الشرطي وحده، وإنما على شراكة واعية بين الدولة والمواطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى