الفشل في هندسة الأشياء

فؤاد قبانى
إذا نظرنا إلى ما حولنا، نجد أن العالم مبني على نظام هندسي دقيق؛ فكل شيء يسير وفق منظومة محسوبة الأبعاد، مدروسة الخطى، منفردة أو مجتمعة في نظام بديع. فسبحان الواحد الخلّاق.
نحن في السودان نرتجل القرارات المتعلقة بأدق المشاريع. فمثلاً، قد يكون المشروع مخططًا له أن يكتمل خلال عام، ثم نطالب الجهات المنفذة بإنجازه خلال بضعة أشهر، لأننا نريد افتتاحه في مناسبة أو عيد معين. وهنا تبدأ السرعة والعجلة، وغالبًا ما تكون هذه العجلة أحد أسباب فشل المشروع.
أذكر عندما كنت أصنع المعدات الزراعية للمشروعات التابعة لـ ADS، ضمن برامج برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وكنت وقتها أيضا الخبير الوطني لمنظمة ILO في مجال تصنيع وتطوير الطوب المضغوط ضمن برنامج العمالة المكثفة. طُلب مني في إحدى المرات تدريب مجموعة من طلاب الهندسة الزراعية.
جمعت الطلاب في مكتبي وقلت لهم: اعلموا أن المهندسين نوعان..
هناك مهندس يفشل في فترة التدريب لأنه يهاب الاندماج مع العمال، ويترفع عن التعامل مع الزيت وبيئة العمل، ولا يرى في العمل اليدوي ما يضيف إلى خبرته. وهذا، عندما يتخرج من الجامعة، يذهب غالبًا إلى المكاتب؛ لتصديق الإجازات وإنجاز الأعمال المكتبية.
وهناك مهندس آخر ينزل إلى موقع العمل، ويتعامل مع العمال، ويأخذ من المعلمين وأصحاب الخبرة القدامى ما لديهم من مهارات، ويتعلم منهم أسرار المهنة والعمل باليد. هذا هو المهندس الحقيقي؛ لأنه يعرف كيف تتحول المعرفة النظرية إلى عمل وإنتاج.
وأحيانًا يجتمع في موقع عمل أكثر من مهندس، ويكون كلهم من النوع الذي لايحب العمل اليدوي بينما يعتمد في التنفيذ الفعلي على العمال وحدهم. ومن هنا يأتي الفشل؛ لأن الحلقة التي تربط بين المهندس والعامل، وهي الفني، تكون غائبة أو ضعيفة.
لقد فقدنا الكثير من المعاهد الفنية التي كانت تمثل العمود الفقري للتنمية، مثل المعهد الفني، ومعهد ود المقبول للمياه، ومعاهد الدبلوم بنظام السنوات الثلاث. وحتى مراكز التدريب التي بقيت، فقدت كثيرًا من مضمونها ودورها، وأصبحت مناهجها في أحيان كثيرة لا تواكب متطلبات سوق العمل ولا التطور المتسارع في تشغيل وصيانة المعدات الحديثة.
كما أن التدرج الوظيفي القائم على التدريب والخبرة والترقي، كما كان يحدث في النقل الميكانيكي والأشغال وغيرها، قد جُفف بلا مبرر. فلم يعد هناك ذلك التدرج الطبيعي في العمل الهندسي: من العامل، إلى الفني، إلى التقني، ثم إلى المهندس.
أصبحنا بلا كوادر وسيطة بالقدر الكافي، ولذلك أصبح الفشل حليفنا في كثير من مجالات الهندسة وكل ما يرتبط بها.
لن نتقدم بلا تعليم. وعلينا أن نضع خطة استراتيجية واضحة للتعليم التقني والهندسي، حتى نخرج من حالة التخبط والظلام التي نعيشها في مجالات الإعمار والتأهيل والإصلاح.
علينا إعادة تأهيل المراكز المهنية، وإصلاح مناهجها لتكون جاذبة لسوق العمل، وتواكب التقنيات الحديثة واحتياجات المشروعات. كما يجب إعادة النظر في نظم التعليم الفني والهندسي، بما يضمن وجود التدرج المهني المطلوب لتنفيذ أي عمل أو مشروع بدقة وكفاءة.
نحن أمة نتسرع أحيانًا في اتخاذ القرارات، أفرادًا وجماعات، ثم نكتشف بعد سنوات أننا فقدنا مؤسسات وخبرات كان يمكن أن نبني عليها.
وهنا أسأل: أين البريد؟ هل انتهى دور البريد في العالم؟ وأين خطوط الهاتف القديمة؟ ماذا لو أردنا اليوم استغلال بنيتها التحتية وأسلاكها وخطوطها في تطوير شبكات الاتصال الحديثة؟ وأين مدرسة البريد والسلكية واللاسلكية؟ وأين النقل الميكانيكي ومدارسه؟ بل أين مصلحة الأشغال التي كانت تقوم بصيانة منازل الحكومة والمنشآت العامة، وغيرها الكثير من المؤسسات التي كانت تصنع الكوادر وتراكم الخبرات؟
نحن لا نبكي على ما فات، ولا نريد أن نظل أسرى للماضي، ولكن علينا أن نتعلم منه. فالأمم التي تتقدم هي التي تعرف كيف تستفيد من تجاربها، فتحافظ على ما كان ناجحًا، وتطوره، وتبني عليه ما هو أفضل.
وبإذن الله، سنعتبر من الماضي، ونبني ونشيد الأحسن، ولكن ذلك لن يحدث بالتسرع والارتجال، وإنما بحسن التفكير، والتخطيط، والعلم، والتدريب، والصدق في القول والعمل.
فعلينا أن نحسن التفكير، ونصدق في القول والعمل… فاستووا، يرحمكم الله.



