رأي

من صندوق الذخيرة إلى صندوق الانتخابات … تحديات التحول

د. الهيثم الكندي يوسف

إن الانتقال من صندوق الذخيرة إلى صندوق الانتخابات يظل مطلباً سياسياً وأمنية يتمناها الشعب المنهك جراء الحرب، هذا الانتقال بالقياس للواقع الحالي يعد عملية هندسية معقدة تتطلب التوفيق بين الواقعية والعدالة.

إن المقترح الأمريكي الأخير الذي قدمه مسعد بولس – والذي يربط بين المسارين العسكري والسياسي – يعيد إلى الأذهان تجربة الوثيقة الدستورية التي ثبت فشلها، كما أنه يطرح في الوقت ذاته أسئلة مهمة حول مدى قدرته على الصمود أمام تحديات وتعقيدات الوضع السياسي والعسكري الراهن.

فبالرغم من أن السلطة الشرعية قد ردت على المقترح بتحفظات وإضافات مهمة تتماشى لحد كبير مع المبادرة الرسمية التي قدمها السودان وجعلها جزءاً من أضابير مجلس الأمن؛ بالرغم من ذلك فإن مقترح بولس المشار إليه، به كثير من النقاط التي يمكن التعاطي معها والبناء عليها، وأخرى لا تتسق مع الواقع الذي فرضته ظروف ومآلات معركة الكرامة.

ولتحويل هذا المقترح إلى واقع عملي يمكن أن يوصل البلاد إلى صناديق الاقتراع، علينا تفكيك المعضلات والتحديات الرئيسة والتعامل معها وفق رؤية تتجاوز الشكليات وذلك وفق الآتي:

1 – حسم الملف العسكري وتفكيك المليشيا:

لا يمكن لعملية سياسية أن تعيش وتثمر في وجود بندقيتين. فأي حديث عن حكومة انتقالية أو انتخابات في ظل بقاء مليشيا الدعم السريع كقوة عسكرية هو مجرد تأطير لانفجار ثان. لذا يجب تفكيك ودمج قوات المليشيا عبر خطة زمنية واضحة المعالم والخطوات، وحظر وجود أي جيوش موازية، وإعادة بناء جيش مهني وقومي واحد.
ولتحقيق ذلك لابد من مبادرة القوات المسلحة وتحركها علي الأرض لتحرير أكبر ما يمكن من الجعرافيا – أرض وبشر – من قبضة الملبشيا. فبجانب أعلاه فإن ذلك فيه من الفوائد ما يجنب بلادنا خطر التفتت والانقسام.

2 – معضلة العدالة والمحاسبة عن الجرائم والفظاعات:

لا يمكن القفز فوق حقوق الضحايا باسم التسوية السياسية، ولضمان عدم إنتاج حرب أخرى مستقبلاً، يجب تفعيل موضوع العدالة الانتقالية لمحاسبة المتورطين في الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق المدنيين وتدمير الأصول العامة والخاصة. يجب أن تمضي إجراءات هذه المحاسبة جنباً إلى جنب مع المسار السياسي، لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب وتأسيس دولة القانون.

3 – الواقعية السياسية وإعادة تعريف العزل السياسي:

إن الاستبعاد والعزل السياسي سبق أن جربته الممارسة السياسية السودانية، وغالباً ما كان يؤدي إلى خلق معارضة قوية كانت تلجأ للعنف أو الانقلابات العسكرية. المعيار هنا يجب أن يكون (العدالة) لا (الإقصاء السياسي).

إن استبعاد التيار الإسلامي – الذي شارك بجانب القوات المسلحة في الدفاع عن الدولة – من العملية السياسية المرتقبة، يجب أن يكون المعيار فيه قانونياً وجنائياً.
إذ لا ينبغي إبعاد إلا من تثبت إدانته عبر القضاء، بينما يترك صندوق الانتخابات ليكون الفيصل النهائي أمام الشعب لإعادة تقييم كافة القوى السياسية ورصيدها الشعبي والأخلاقي.

4- دور الجيش في المشهد السياسي القادم:

يجب أن لا يكون خروج المؤسسة العسكرية من المشهد السياسي بقرارات فوقية. إذ أن الحاجة إليهم مرتبطة بإنهاء المهددات التي دعت لوجودهم في السلطة.

فحين يستقر الأمن ويحسم الخطر الوجودي على البلاد، يمكن عندها أن يتحول العسكر إلي مجلس سيادة (شرفي) لمرحلة مؤقتة تنتهي بعملية انتخابية وإنشاء مؤسسات دستورية دائمة.

5 – مسؤوليات القوى الإقليمية عن الحرب وإعادة الإعمار:

إن إلزام القوى الإقليمية المؤججة للحرب بتكلفة إعادة الإعمار ليست منة أو منحة، بل هي مسؤولية أخلاقية وقانونية تقع على عاتق هذه الأطراف التي غذت الصراع وساهمت في تدمير البنية التحتية للسودان. لذا بجب أن يمضي هذا الأمر جنباً إلى جنب مع المسارات الأخرى.

الخلاصة أنه إذا أردنا فعلا العبور نحو الديمقراطية واستحقاق الانتخابات فعلينا أن لا نقبل بإعادة إنتاج الفترات الانتقالية الهشة، ولكن علينا العمل علي إرساء دعائم حقيقية وهي جيش موحد، وعدالة ناجزة لا تستثني أحداً ولا تجور على أحد، ومسؤولية دولية صريحة في جبر الضرر وإعادة الإعمار. حينها فقط يتحول صندوق الاقتراع من مجرد حلم سياسي إلى أداة لاستعادة الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى