
المحقق – نازك شمام
في مسرح الاقتصاد السوداني، تتكرر المشاهد والسيناريوهات منذ عشرات السنين، أحداث متشابهة وقرارات متماثلة، لايبدو أن هنالك جديداً يُذكر، يهبط الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية دون مقدمات ويخسر معركته في الصمود أمامها فتخرج الحكومة بقرارات تبدو في كثير من الأحيان مكررة ولا تحقق مبتغاها في تحقيق ارتفاع قيمة الجنيه، لأن السبب واضح ويدور حول فلك إرتفاع الطلب وانخفاض العرض وهذا هو الحال منذ العام 2011 بعد فقدان السودان لإيراداته النفطية عقب الانفصال إذ فقد أكثر من 80 % من إيرادات النقد الأجنبي. ومنذ ذلك الوقت والحال على ما هو عليه حتى جاءت الحرب في العام 2023 ففقد الجنيه نحو 600 % من قيمته.
وشهدت الأسواق الموازية للعملات هبوطاً حاداً في قيمة الجنيه السوداني خلال الأيام الماضية ووصل سعر الدولار مقابل الجنيه نحو 3400 جنيه فيما بلغ سعر صرف الريال السعودي 906 جنيهات، والدرهم الإماراتي 926 جنيهًا، والجنيه المصري 70 جنيهًا، و اليورو إلى 3953 جنيهاً.
قرارات جديدة
مساء أمس اعتمد اجتماع لجنة الطوارئ الاقتصادية، برئاسة رئيس مجلس الوزراء، د. كامل إدريس، ، حزمة من القرارات النوعية الهادفة إلى ضبط الأداء الاقتصادي وتعزيز استقرار سعر صرف العملة الوطنية. وتضمنت أهم القرارات تشكيل لجنة للطوارئ الاقتصادية برئاسة السيد رئيس مجلس الوزراء ومنع استيراد البضائع إلا بعد استيفاء كامل الضوابط والإجراءات المصرفية والتجارية، وحظر دخول أي بضائع لا تستوفي الشروط والمواصفات المعتمدة و تفعيل دور قوات مكافحة التهريب وتمكينها من الوسائل والمعينات اللازمة لأداء مهامها بكفاءة عالية مع العمل على إنفاذ القوانين والتشريعات الخاصة بمكافحة التهريب بحيث تُعد حيازة أو تخزين الذهب من غير مستندات رسمية جريمة تهريب بغض النظر عن الموقع الذي تضبط فيه، بالإضافة إلى إخضاع الذهب المنتج للمتابعة الدقيقة حتى تصديره، ضماناً لعدم تهريبه عبر قنوات غير مشروعة، و حصر شراء وتسويق الذهب في جهة حكومية واحدة على أن تلتزم هذه الجهة بتوفير النقد الأجنبي اللازم للمستوردين.
ودعت لجنة مجلس الوزراء إلى مراجعة القرار بشأن تنظيم استيراد السيارات وضبط عمليات الاستيراد غير المقنن “عبر الطبالي” في الموانىء والمعابر ومنع فرض جبايات غير قانونية مخالفة لقانون الحكم الاتحادي بجانب مراجعة سياسات الصادر، وإزالة كافة العقبات التي تعيق زيادة الصادرات وضمان انسيابه
قرارات مجربة
ويصف رئيس شعبة مصدري الذهب السابق، عبد المنعم الصديق، القرارات التي أصدرها مجلس الوزراء مساء أمس بـ”القرارات الكارثية” وقال إنها “ستعمل على تدمير ما تبقى من الاقتصاد السوداني المتهالك”، وأشار الصديق في حديثه مع “المحقق” إلى أن هذه القرارات مجربة في الاقتصاد السوداني ونتائجها معلومة للجميع مبدياً استنكاره للاصرار عليها وعدّها من باب ” تجريب المجرب”، على حد قوله.
وعن القرارات الخاصة بتصدير الذهب أكد على أن هذه القرارات ستؤدي إلى احتكار صادر الذهب لمجموعة بعينها مما يفتح المجال واسعاً للفساد لافتاً إلى أن المواطن السوداني هو مـَن سيدفع فاتورة هذه القرارات بمزيد من الفقر والمعاناة، ولفت الصديق إلى أن شعبة مصدري الذهب توكد على أن هذه القرارات غير مجدية من خلال التجارب السابقة وأنها ستعمل فقط على إهدار الموارد عبر التهريب وزيادة نسبة الفساد والمفسدين.
غياب أهل الشأن
وأعاب الناطق الرسمي لشعبة مصدري الذهب، عاطف أحمد عبد القادر على قرارات مجلس الوزراء عدم وجود أي ممثل لرجال الأعمال أو إتحاد أصحاب العمل باعتبارهم هم من يعملون على مكافحة التهريب ومناهضته، وقال عبد القادر أن القرارات غير المصحوبة بأهل الخبرة وأهل الدراية تكون غير مجدية، وشدد أنه من الأهمية بمكان مشاورة القطاع الخاص من المصدرين والمستوردين قبل اتخاذ هذه القرارات وأشار إلى أن احتكار تصدير الذهب لجهة حكومية سيرفع من وتيرة التهريب بسبب فتح حدود البلاد على ست دول مبيناً أن أساس التهريب يكمن في تعدد البدائل ونوه إلى أن أي قرارات تتخذ من دون أهل الشأن لن يكتب لها النجاح ووصف القرات التي خرجت من مجلس الوزراء أمس بغير المدروسة وأكد على أن القرارات الصادرة بشأن الذهب أكثر من انتاجه !!
حلول مجربة
بدوره أوضح الصحفي المتخصص في الشؤون الاقتصادية، عبد الوهاب جمعة، أن قرارات مجلس الوزراء للتحكم في تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية بعضها إدارية أمنية وبعضها خاص بالسياسات وأكد على أن أي قرار إداري أمني لا يساعد في حل هذه المشكلة وقال إن هذه القرارات تم تجريبها منذ فترات طويلة ولم تؤد إلى أي حل من الحلول.
وأضاف جمعة أن قرار حصر وتسويق الذهب لجهة حكومية واحدة لن يتم تنفيذه بصورة صحيحة بسبب أن اغلب إنتاج الذهب يتم عبر التعدين الاهلي أو الأفراد وهو مالن تستطيع الحكومة السيطرة عليه ومن الصعوبة بمكان أن يتم ذلك. ونوه أيضا أنه من الصعوبة بمكان أن تعمل الحكومة على السيطرة على إنتاج الذهب لأن الانتاج في يد الأهالي.
ويرى جمعة في حديثه مع “المحقق ” أن التشريعات بشأن التهريب تعد أمرا جيدا حال استطاعت الحكومة السيطرة عليه، وتخوف من أن تهزم مساحة السودان الشاسعة هذه التشريعات لأنه من الصعب التحكم في هذه المساحات وقال إن الأفضل التوجه للسياسات الداعمة.
وأكد جمعة على وجود جوانب إيجابية في هذه القرارات خاصة التي تتعلق بالصادر والوارد والتي ستدفع المصدرين والمستوردين لمحاربة التهريب حال الاستجابة إلى مطالبهم لافتاً إلى أن مراجعة الجبايات غير القانونية هو أمر ايجابي وسيعمل على تعزيز الثقة بين الحكومة والقطاع الخاص.
وشدد جمعة على أهمية التنسيق بين وزارة المالية وبنك السودان بخصوص السياسات النقدية والمالية فلن تفلح هذه الاجراءات في رفع قيمة الجنيه السوداني وستعتبر هي إجراءات كما الإجراءات السابقة والتي لم تفلح في إحداث أي اختراق.



