رأي

لماذا صمت النخب السودانية؟

رمضان أحمد

التزمت النخب المثقفة السودانية عموماً الصمت حيال ما يجري في البلاد منذ سقوط نظام الإنقاذ، مما أفسح المجال للنشطاء والانتهازيين ليعبثوا بمستقبل البلاد من خلال نشر الكراهية والاستقطاب السياسي والجهوي والعرقي، وما الحرب الجارية إلا أحد تجليات هذه السلبية النخبوية.

الأسئلة التي تطرح نفسها هي: ما هو سبب عزوف النخبة المثقفة عن المساهمة في تشكيل الرأي العام بما يخدم المصلحة الوطنية، في ظل وجود الفضاءات المفتوحة التي تمكن المصلحين من الإطلالة على الجماهير بدون وسيط؟ هل هذا مرده إلى الطمع أم الخوف، الطمع في وظيفة أو مصلحة لدى هذا الطرف أو ذاك أم خوف على المصالح؟ أم هل لم تدرك النخب المثقفة أهمية وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في صناعة الرأي العام وتوجيهه؟
هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها خلال هذا المقال الذي نرجو أن يكتمل من خلال المداخلات من القراء.

مجموعات الواتساب ومنصات زوم وتيمز مثلاً تعتبر منصات مثالية للمساهمة في صناعة الرأي العام، حيث يمكن للناس أن يجتمعوا في الوقت الحقيقي سواءً أكان لقاءً وجهاً لوجه عبر زوم أو تيمز وغيرها أو من خلال الدردشة النصية في الوقت الحقيقي. تجدر الإشارة إلى أن مثل هذه اللقاءات الإسفيرية تتميز عن اللقاءات الحضورية بأنها أفضل من النواحي التالية:

أولاً: يستطيع المؤتمرون سماع بعضهم البعض بوضوح والمشاركة بالآراء على قدم المساواة، مع إمكانية التفاعل بمختلف الطرق، سواءً باستخدام خاصية رفع اليد أو حتى تعبيرات الوجه وغيرها وكل المشاركين سيرون هذا التفاعل بوضوح بخلاف اللقاءات الحضورية التي قد لا يتمكن الناس من سماع المتحدث ناهيك عن التفاعل معه.

ثانياً: يستطيع المؤتمرون الحصول مباشرة على النسخة المكتوبة من خلاصة المداولات والاتفاق عليها وكذلك المداخلات المكتوبة مما يوفر مستوى من الشفافية قد لا تتاح في اللقاءات الحضورية.

ثالثاً: من حيث التكلفة اللقاءات الإسفيرية توفر الوقت والمال بطريقة مذهلة، بل تكون التكلفة صفرية سواءً من حيث التكاليف المادية أو الجهد، حيث يمكن أن يحضر الأعضاء الاجتماع وهم في غرف نومهم.

رابعاً: نظراً للإمكانيات التي توفرها المنصات الرقمية فإن أغلب الأنشطة البشرية انتقلت إلى الفضاءات الاسفيرية حيث أصبحت القرارات تُتخذ جماعياً و تقلص نطاق اللقاءات الحضورية إلا في حالات استثنائية يكون الحضور الجسدي جزءاً من هدف اللقاء.

يلاحظ مع الأسف الشديد أن النخب المثقفة السودانية لم تستفد من هذه المنصات الرقمية، على الرغم من كل هذه الفوائد التي شرحناها، حيث ظل التفاعل مع ما يكتب ضعيف جداً. فهذا يعني بالضرورة عزوف الخبراء والمختصين عن المساهمة في توجيه الرأي العام. فتجد مثلاً في مجموعات الواتساب مجموعة تضم ما لا يقل عن 400 عضو غير أن الذين يديرون النقاش يُعدون بأصابع اليد الواحدة. فماذا يا ترى مرد هذا العزوف عن المساهمة في تشكيل الرأي العام؟ قد تجد أسماء محترمة ولها مكانة في المجتمع ولكن مع ذلك تنعدم مشاركتها تماماً في مناقشة أهم القضايا التي تتطلب فعلاً رأياً سديداً. هل يعتبر هذا نوعاً من الترفع؟ أم طمعاً في منصب، أو خوفاً من التصنيف؟ أم عدم إيمان بجدوى المنصات الرقمية؟

نتيجة عزوف العلماء والمثقفين وأصحاب الرأي السديد عن المساهمة عبر الفضاءات المفتوحة كانت كالآتي:

أولاً: من يصنع الرأي العام هم النشطاء والانتهازيون الذين يساهمون بطريقة مباشرة في تأجيج الكراهية والاستقطاب لدرجة أن الحرب المستعرة بين السودانيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي اليوم أشرس من الحرب الدائرة على الأرض بين الدعم السريع وداعميه والجيش السوداني وداعميه.

ثانياً: انتشر التفكير السطحي أو ما يشبه ثقافة “الوجبات السريعة” بعيداً عن التفكير التحليلي المنطقي المجرد من الغرض. وغاب التفكير الاستراتيجي حتى على مستوى الدولة وأصبح الناس يهتمون بمكافحة الأعراض بدلاً من تشخيص المرض ومن ثم علاجه.

ثانياً: نتيجة لهذه السطحية الشديدة أصبح الكلام عن المستقبل مستهجناً، حيث يقول النشطاء والانتهازيون دعونا ننهي الحرب أولاً ثم نفكر في المستقبل! الوضع الطبيعي في الحالة التي نحن فيها هي أن ينخرط العسكريون في مسائل الحرب ومتطلباتها، في الوقت الذي يجب أن ينخرط المثقفون وأهل الرأي في رسم صورة المستقبل الذي نتطلع إليه حتى إذا توقفت الحرب يعرف الناس ما هو مطلوب منهم كجماعة أو أفراد. رسم صورة المستقبل يعني نشر الوعي وتعريف المواطن بقيم المواطنة وبحقوقه وواجباته وشكل الدولة التي يجب أن تقوم على أنقاض الحرب، دولة عصرية تقوم على أساس المواطن لا النخبة، وتكون لها رؤية استراتيجية للتطوير والنهوض بالوطن والمواطن. هذا الحراك المجتمعي بقيادة المثقفين ضرورة قصوى حتى لا نتفاجأ بمعارك في غير معترك بعد الحرب تستنزف طاقاتنا ومواردنا مرة أخرى. وهذا مع الأسف الشديد هو ما يبدو في الأفق.

ثالثاً: غياب كامل للمراكز البحثية المعنية بتقديم دراسات مستندة إلى الإحصاءات والحقائق بما يعين صانع القرار في الدولة. والنتيجة هي غياب التفكير الاستراتيجي على مستوى الدولة فأصبحت عملية اتخاذ القرار في الدولة لم تعد تستند إلى أي حيثيات واقعية، مما جعل تخبط الحكومة واضحاً للعيان.

من أهم تجليات غياب أو تغييب المثقفين والعلماء والخبراء عن المشهد – بالإضافة إلى الشواهد التي أوردناها أعلاه – أن استطاع النشطاء والانتهازيون أن يرسخوا في أذهان الناس لغة استئصال الآخر، فبدلاً من السعي لتشخيص المرض ومكافحته تحول الأمر لمكافحة المريض نفسه. فليس من العقل التخلص من المريض. السلوك السيء ممقوت بطبيعته وصاحب السلوك السيء يجب ردعه، ومتى تخلى عن سلوكه أو أبدى الرغبة في التخلي عن سلوكه يتم التعايش معه بدلاً من السعي لاستئصاله نهائياً.

لا يفوتني أن أشيد بشباب الحركة الوطنية للبناء والتنمية بقيادة الشابين المتألقين هشام شمس الدين وقاسم الظافر. هذه الحركة متجاوزة لكل التيارات السياسية في البلاد من خلال طرحها المتقدم وتناولها المستنير لقضايا الاقتصاد والتنمية والتوعية المجتمعية بطريقة مبتكرة، في الوقت الذي ركزت التنظيمات السياسية على التناحر والإمعان في إبراز سوءات الآخر. حركة البناء والتنمية من أكثر التنظيمات التي استفادت من الفضاءات المفتوحة وتبعها مئآت الآلاف من الشباب السوداني.

خلاصة القول أن المثقفين والخبراء والعلماء السودانيين بمختلف مشاربهم مطلوب منهم الانتباه لأهمية استغلال منابر التواصل الاجتماعي الرقمية وإيصال صوت الحقيقة، بعيداً عن خطاب الشيطنة والشيطنة المضادة الذي قسم المجتمع السوداني ونشر الكراهية وأثار معارك في غير معترك. الشعب السوداني يتطلع إلى أصوات العقلاء من النخب المثقفة الذين هم الأقدر على قيادة حركة التنوير وتوحيد الكلمة وتوجيه الرأي العام نحو غاياتنا المشتركة كمجتمع سوداني يتطلع لأن يتبوأ مكانته بين الأمم المحترمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى