رأي

استقرار الاقتصاد الكلي.. من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد النهضة

م.م. محمد الشاطر الأمين

لا يمكن لأمة خاضت حرب وجود أن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، فالحرب لا تفرض اقتصاداً سوياً بل تفرض اقتصاد بقاء وصمود تُدار فيه الندرة بصرامة ويُسخر كل مقدر لسد رمق المعركة وضمان استمرار الدولة. وإذا كانت البندقية قد حسمت معركة الكرامة في الميدان العسكري ببسالة، فإن معركة الكرامة الاقتصادية هي التي ستحسم مصير الوطن في ميدان التعافي والبناء. والحق الذي لا يُمارى فيه أن العبور من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد النهضة مستحيل دون استعادة الاستقرار الكلي، فهو ليس ترفاً نظرياً يزين نشرات بنك السودان ولا رقماً للتباهي بل هو الأرضية الصلبة والقاعدة الراسخة التي يُبنى عليها كل مشروع وطني، وبدونه يغدو كل حديث عن إعمار أو استثمار أو عودة نازحين حرثاً في بحر لجي من الفوضى.

إن الاستقرار الكلي منظومة خماسية الأركان لا انفصام لها ولا غنى لأحدها عن الآخر. أولها السيادة النقدية، فتشظي أسعار الصرف وتهاوي الجنيه نذير انهيار اقتصاد الحرب، ولا يُستعاد بقرار إداري فوقي بل بسياسات نقدية ومالية متناسقة تردم الفجوة بين الرسمي والموازي، لا بالمطاردات وحدها بل بزيادة حقيقية ومستدامة لموارد النقد الأجنبي، فكل دولار يعود للقنوات الرسمية ذخيرة لهيبة الدولة وسيادتها. وثانيها كبح التضخم والعدالة المعيشية، فالتضخم ضريبة عمياء قاسية يدفعها الفقير قبل الغني، منشؤه تمويل العجز بسيولة بلا إنتاج، ودواؤه ضبط الإنفاق غير المنتج وترشيد السيولة مقروناً بحماية اجتماعية ذكية تستهدف المستحق مباشرة عبر التحويلات النقدية بدل دعم سلعي أعمى يُهرب. وثالثها شريان النقد الأجنبي، فالسودان لم يكن فقير الموارد بل نزف موارده في قنوات الظل والتهريب، ولا سبيل إلا بالتحول من اقتصاد مساعدات إلى اقتصاد تصدير عبر تقنين الذهب بالقناة الرسمية والمصفاة الوطنية وتحرير الثروة الحيوانية والمحاصيل من تشوهات التسعير والجبايات واستعادة ثقة المغترب الذي تحويلاته نفطنا المتجدد ولا تعود إلا بسعر عادل وقنوات رقمية جاذبة. ورابعها إحياء الجهاز المصرفي عصب النهضة، فلا نهضة بلا مصارف قوية، وقد دمرت الحرب بنيته وزعزعت الثقة به، ولا قيام له إلا بثورة رقمية تعمم الدفع الإلكتروني والشمول المالي وتعيد الادخار من تحت البلاط إلى النظام المصرفي. وخامسها ربط الاستقرار بالعدالة، فأخطر استقرار هو استقرار الأرقام على أنقاض المعيشة، والغاية ليست خفض التضخم في التقارير بل صون القوة الشرائية للجنيه في يد المواطن في أم درمان والقضارف وبورتسودان.

بيد أن الاستقرار وحده لا يصنع نهضة دون إنتاج وبنية وإنسان وحوكمة. فقاطرة النهضة الأولى هي القيمة المضافة، فلا يستقيم أن ينهض السودان وهو يصدر خاماً ويستورد مصنعاً، فلا بد من وقف تصدير السمسم والصمغ والقطن والفول والذهب خاماً والعبور إلى التصنيع التحويلي العميق في الداخل بمسالخ حديثة ومطاحن زيوت ومصانع نسيج وتغليف وصناعات غذائية، بها تتضاعف العوائد أربع مرات وتُخلق ملايين الوظائف وينكسر طوق الاقتصاد الريعي ويُبنى اقتصاد صناعي زراعي متكامل. ثم البنية التحتية الذكية، فإعادة الإعمار ليست ترميماً لما تهدم بل فرصة تاريخية لبناء سودان جديد، فلا نعيد شبكة كهرباء متهالكة بل نبني شبكة ذكية بالطاقات المتجددة الشمسية والرياح والربط الإقليمي مع مصر والسعودية، ولا نرصف طرقاً معزولة بل نشيد ممرات تنموية قومية وسكك حديدية حديثة تربط دارفور وكردفان والجزيرة بموانئ البحر الأحمر ونحول مأساة النزوح إلى فرصة لمدن إنتاجية وصناعية جديدة.

ويبقى الإنسان مناط كل نهضة وأصلها وغايتها، فالحرب هجرت العقول والكفاءات ودمرت المدارس والجامعات، فلا بد من برنامج وطني لاستعادة الكفاءات المهاجرة وتحفيز عودتها وتأهيل التعليم الفني والتقني ليواكب حاجات السوق وتمكين الشباب والمرأة والمنتجين الصغار بالتمويل الأصغر والاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال فهم جيش الإعمار القادم ووقود النهضة. ولن يصمد ذلك دون حوكمة قاطعة تقتل اقتصاد الظل من جذوره برقمنة الإيرادات والجمارك والأراضي وتوحيد الخزينة وتطبيق الحساب الموحد وتفكيك شبكات التهريب والمضاربة وفرض سيادة القانون كضامن أوحد للاستثمار، فلا ثقة بلا شفافية ولا نهضة بلا نزاهة ولا إعمار بلا عدالة.

إننا لا نبتغي استقراراً حسابياً بارداً ترضى عنه المؤسسات الدولية بل ننشد اقتصاداً حياً يستعيد الثقة كاملة: ثقة المواطن في عملته والمزارع في سوقه والمستثمر في دولته والمغترب في وطنه والعالم في مستقبل السودان. ولن يكون ذلك إلا بانفتاح ذكي ومتوازن يخرج السودان من عزلته عبر تسوية مديونيته وتفعيل مبادرة الهيبك لإعفاء الديون وعقد شراكات استراتيجية كبرى في الأمن الغذائي والطاقة والمعادن مع الخليج ومصر وتركيا وتحويل موقعه الجيوستراتيجي الفريد على البحر الأحمر إلى مركز لوجستي عالمي يربط البحر بعمق أفريقيا ويجعله جسراً للتجارة. حينها فقط ننتقل من منطق إدارة آثار الحرب إلى منطق بناء اقتصاد التعافي، ومن اقتصاد الصمود الذي فرضته المعركة إلى اقتصاد الإنتاج والنهضة والكرامة الذي نستحقه ويستحقه أبناؤنا.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الموضوع مهم وفي وقته تماما، وبالامكان توسعته وتحويله إلى ورقة بحثية متماسكة واوصي بالاتي:
    ١- إسناد كل ركيزة من الركائز الخمس لمنظومة الاستقرار الكلي إلى أساسها النظري
    ٢- دعم الحجج التي قام عليها الموضوع بالأرقام ذات الصلة ليستقيم التحليل للخروج بنتائج قابلة للقياس وتستنبط منها السياسات القابلة للتطبيق
    وفقك الله وسدد خطاك أخي محمد الشاطر الامين، ولكل من اسمه نصيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى