هام وعاجل في بريد محافظ المركزي: التمويل الأصغر على حافة الإنهيار

نعمان يوسف محمد **
في لحظة اقتصادية بالغة الهشاشة، وبينما تتهاوى كثير من قطاعات الإنتاج والخدمات تحت وطأة الحرب، يقترب قطاع التمويل الأصغر في السودان من نقطة الإنهيار الحرجة، مهدداً بفقدان واحد من أهم الأذرع المالية التي ظلت على مدى سنوات تسند الفئات الضعيفة، وتموّل الأنشطة الصغيرة، وتخفف من حدة الفقر والهشاشة الاقتصادية.
لقد ظل قطاع التمويل الأصغر، لما يقارب العقدين من الزمان، أحد أهم الأدوات الاقتصادية والاجتماعية التي إعتمدت عليها الدولة في مكافحة الفقر، وتمويل صغار المنتجين، وتمكين الأسر محدودة الدخل، ودعم قطاعات الإنتاج الهش. ومن خلال أكثر من خمسين مؤسسة وشركة تمويل أصغر منتشرة في ولايات السودان المختلفة، تمكن هذا القطاع من إيصال الخدمات المالية إلى الملايين من المواطنين الذين ظلوا خارج المظلة المصرفية التقليدية.
لكن الحرب ضربت القطاع في مقتل. فقد تعطلت الأنشطة الإنتاجية، وإنهارت الأسواق، وتوقفت سلاسل الإمداد، ونزح العملاء، وتراجعت القدرات التشغيلية للمؤسسات إلى مستويات حرجة، حتى فقد أكثر من ثلاثة ملايين مواطن من عملاء التمويل الأصغر إمكانية الوصول إلى الخدمات التمويلية التي إعتمدوا عليها لسنوات في إدارة أنشطتهم الصغيرة وتوفير سبل عيشهم. هذه الأرقام لا تعني مجرد توقف خدمات مالية، بل تعني تعطل وسائل الإنتاج والدخل لملايين الأفراد والأسر، وتآكل شبكات الأمان الاقتصادي للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.
وفي الجانب المالي، تجاوزت معدلات التعثر القسري في محافظ التمويل الأصغر 90% في بعض المؤسسات نتيجة الظروف القاهرة التي فرضتها الحرب، وهو مستوى كارثي يعكس حجم الإنهيار الذي أصاب محافظ التمويل، ويجعل المؤسسات عاجزة عن إسترداد مواردها أو إعادة تدوير التمويل أو حتى الوفاء بإلتزاماتها التشغيلية الأساسية. لقد أصبحت مؤسسات وشركات التمويل الأصغر اليوم تواجه إختناقاً مالياً حاداً؛ فالمحافظ التمويلية تآكلت، والسيولة جفت، والموارد توقفت، والإلتزامات تتزايد، بينما تضيق الخيارات أمام إدارات هذه المؤسسات والشركات، حتى باتت عاجزة عن الصمود دون تدخل إسعافي مباشر.
واليوم، تقف أكثر من خمسين مؤسسة وشركة تمويل أصغر في حالة إستغاثة فعلية، تنتظر تدخلاً عاجلاً من بنك السودان المركزي، عبر معالجات جذرية وحاسمة تعيد للقطاع قدرته على الإستمرار، وتحول دون إنهياره الشامل.
إن إنهيار قطاع التمويل الأصغر لن يعني فقط تعثر عدد من المؤسسات المالية، بل سيعني فقدان واحدة من أهم آليات التمكين الاقتصادي والاجتماعي في السودان، وسيقود إلى نتائج خطيرة تبدأ بتفاقم الفقر والبطالة، ولا تنتهي عند إنكماش الإنتاج الصغير، وتراجع فرص التعافي الاقتصادي، وتعقيد جهود إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب.
والأخطر من ذلك أن إنهيار هذا القطاع سيحرم الاقتصاد الوطني من أداة أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على الوصول إلى الشرائح التي لا تصلها البنوك التقليدية، وهو ما يمثل ضربة مباشرة لجهود الشمول المالي والإستقرار الاجتماعي والتنمية القاعدية.
من هنا، فإن المسؤولية الوطنية والمصرفية تضع هذا الملف اليوم مباشرة أمام محافظ بنك السودان المركزي، بوصفه الجهة الرقابية والتنظيمية المسؤولة عن حماية إستقرار القطاع المالي وضمان إستمرارية مؤسساته الحيوية.
إن المطلوب الآن لم يعد مجرد متابعات أو توجيهات عامة، بل تدخل عاجل وإستثنائي يبدأ بإعادة هيكلة الإلتزامات التمويلية القائمة، توفير محافظ تمويل إسعافية عاجلة، معالجة التعثر الناتج عن الحرب، تخفيف الأعباء الرقابية والتنظيمية مؤقتاً وإطلاق حزمة إنقاذ حقيقية تمنح مؤسسات التمويل الأصغر فرصة للبقاء.
إن أي تأخير في إتخاذ هذه الخطوات لن يعني سوى إتساع دائرة الإنهيار، وإرتفاع كلفة المعالجة، حتى يصل القطاع إلى نقطة يصبح معها الإنقاذ أكثر صعوبة وتعقيداً.
الرسالة العاجلة اليوم إلى محافظ بنك السودان المركزي:
إن قطاع التمويل الأصغر يوشك على الإنهيار .. والتدخل العاجل لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. فكل يوم يمر دون معالجات حاسمة يعني مزيداً من التعثر، ومزيداً من المؤسسات المهددة، ومزيداً من الأسر التي تفقد فرصتها في البقاء والإنتاج.
أنقذوا قطاع التمويل الأصغر الآن، قبل أن يصبح الإنهيار واقعاً لا يمكن تداركه.
** إستشاري التطوير المؤسسي _ خبير التمويل الأصغر



