رأي

هل لنا إرادة؟ السودان و سؤال النهضة المؤجلة

عادل الرفاعي أبو الحسن

يُعد السودان من بين الدول الأكثر امتلاكاً للمقومات الزراعية على مستوى العالم. فهو يجمع بين اتساع الأراضي الصالحة للزراعة، و التنوع المناخي الذي يسمح بتعدد المواسم و المحاصيل، و وفرة الموارد المائية من النيل و الأمطار و المياه الجوفية، فضلاً عن موقع جغرافي يتيح الوصول إلى أسواق إقليمية و دولية واسعة.

ولا تقتصر ميزته على حجم الموارد فحسب، بل تمتد إلى ما يتمتع به من مزايا نسبية في إنتاج عدد من المحاصيل الزراعية ذات الجودة العالية، إضافة إلى مزايا إنتاجية و اقتصادية تسهم في خفض تكاليف المعالجة و التصنيع و التداول.

ففي الذرة الشامية، على سبيل المثال، يساعد المناخ الحار و الجاف في عدد من مناطق الإنتاج على خفض نسبة الرطوبة عند الحصاد، مما يقلل الحاجة إلى التجفيف الصناعي و يخفض تكاليف المناولة و التخزين و المعالجة. وفي تقاوي البطاطس، تتيح الظروف المناخية و التوقيت الزراعي في بعض مناطق السودان إنتاج التقاوي في فترة تمنحها فرصة طبيعية لكسر طور السكون قبل موسم الزراعة اللاحق، وهي ميزة فنية و اقتصادية ذات أهمية كبيرة مقارنة ببعض البيئات الإنتاجية الأخرى.
كما يتمتع السودان بميزة التوقيت الإنتاجي في عدد من المحاصيل، حيث تتوافق مواسم إنتاجه في كثير من الأحيان مع فترات ينخفض فيها المعروض في أسواق إقليمية و عالمية، الأمر الذي يمنحه فرصاً تنافسية إضافية إذا أُحسن استغلالها و توظيفها ضمن خطط إنتاج و تسويق فعالة.

ولا يقتصر الأمر على القطاع الزراعي وحده، بل يمتد كذلك إلى القطاع الحيواني، الذي يمتلك هو الآخر مقومات كبيرة من حيث أعداد الثروة الحيوانية، و تنوع المراعي الطبيعية، و إمكانية إنتاج اللحوم و المنتجات الحيوانية ذات الجودة العالية للأسواق الإقليمية و العالمية.

ورغم هذه المزايا الاستثنائية، لم يتمكن السودان حتى اليوم من تحويل قطاعيه الزراعي و الحيواني إلى قوة إنتاجية كبرى تتناسب مع حجم موارده. فما تزال الفجوة واسعة بين الإمكانات المتاحة و النتائج المتحققة، وبين ما يمكن أن يكون عليه الاقتصاد السوداني وما هو عليه بالفعل.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: إذا كانت الموارد متوفرة، و الفرص قائمة، و الأسواق موجودة، فلماذا لا تتحول هذه المقومات إلى نهضة اقتصادية مستدامة؟

المشكلة ليست في الموارد… بل في المنظومة:

حين يُطرح سؤال التعثر التنموي في السودان، يتجه التفكير غالباً إلى نقص التمويل أو ضعف الإمكانات. غير أن الواقع يشير إلى أن المشكلة أعمق من ذلك.
فالزراعة الحديثة لا تقوم على الأرض و المياه وحدهما، كما أن الثروة الحيوانية لا تتحول تلقائياً إلى صناعة متقدمة لمجرد وجود المراعي و القطعان. فالتنمية الناجحة تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل استقرار السياسات، و كفاءة الإدارة، و البنية التحتية، و الخدمات اللوجستية، و التمويل، و التصنيع، و التسويق، و القدرة على الوصول إلى الأسواق.
وعندما تغيب هذه المنظومة، تتحول الموارد من عناصر قوة إلى فرص معطلة، و تبقى الإمكانات حبيسة التقارير و الأمنيات.

فرص بدأت… لكنها لم تكتمل:

لا يفتقر السودان إلى الفرص الزراعية الواعدة، بل إن المشكلة تكمن في أن كثيراً من هذه الفرص بدأت بالفعل، لكنها لم تصل إلى غاياتها الاقتصادية الطبيعية.

ففي مجال تقاوي البطاطس، أثبتت التجارب وجود إمكانات إنتاجية يمكن أن تؤسس لصناعة وطنية قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلية و التوجه نحو الأسواق الإقليمية. كما أن التوقيت الزراعي و الظروف المناخية يمنحان التقاوي فرصة طبيعية لكسر طور السكون، وهي ميزة فنية و اقتصادية مهمة. ومع ذلك، لم يتحول هذا النشاط إلى قطاع إنتاجي و تصديري واسع النطاق.

وفي الذرة الشامية، تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة في عدد من المناطق، كما يساعد انخفاض الرطوبة عند الحصاد على تقليل تكاليف التجفيف و التخزين و المعالجة. ورغم هذه المزايا ما يزال السودان بعيداً عن تحقيق الاكتفاء الكامل أو بناء فائض إنتاجي موجه للتصدير.

أما فول الصويا، فيمثل فرصة استراتيجية لدعم صناعة الأعلاف و الدواجن و تقليل فاتورة الاستيراد، فضلاً عن إمكانية تطوير صناعات تحويلية مرتبطة به، لكنه لم يحظ بالاهتمام الذي يتناسب مع أهميته الاقتصادية.

وينطبق الأمر ذاته على الأرز، حيث أظهرت تجارب زراعية في عدد من المناطق، خاصة في الولاية الشمالية، إمكانية إنتاج أصناف متعددة من الأرز بجودة عالية و إنتاجيات متميزة بلغت في بعض الحالات مستويات تضاهي أو تتجاوز المعدلات العالمية. كما أثبتت التجارب نجاح زراعته في بيئات مختلفة داخل السودان، دون أن يتحول ذلك إلى مشروع وطني واسع يسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي أو فتح أسواق خارجية.

كما يبرز البنجر السكري مثالاً آخر على الفرص الكبيرة غير المستغلة. فقد أظهرت تجارب زراعية في الولاية الشمالية إنتاجيات مرتفعة و نسباً عالية من تركيز السكر، بما يعكس إمكانات حقيقية لتطوير صناعة سكر حديثة تعتمد على البنجر السكري إلى جانب المصادر التقليدية الأخرى.

ولا يمكن إغفال زهرة الشمس، التي تمتلك فرصاً واعدة للتوسع الزراعي و الصناعي بفضل ملاءمتها لعدد من البيئات الزراعية السودانية، و إمكانية الاستفادة منها في إنتاج الزيوت النباتية و الأعلاف و الصناعات المرتبطة بها، مما يجعلها من المحاصيل المرشحة للإسهام في تقليل الواردات و دعم الصادرات في الوقت نفسه.

كما يبرز الفول السوداني، وخاصة الأصناف كبيرة الحبة المطلوبة في الأسواق العالمية، مثالاً آخر على الفرص غير المكتملة. فالسودان يمتلك خبرة تاريخية في إنتاجه، كما يمتلك مقومات تؤهله للتوسع في تصديره إلى الأسواق الأوروبية و غيرها من الأسواق ذات القيمة المضافة المرتفعة، إلا أن الإمكانات المتاحة لم تُترجم إلى مشروع تصديري بحجم الفرصة الحقيقية.

وهذه الأمثلة ليست سوى نماذج محدودة من قائمة أطول بكثير. فالسودان يملك القدرة على إدخال و تطوير عشرات المحاصيل الزراعية و الحيوانية التي يمكن أن تلبي احتياجات السوق المحلية، و تدعم الصناعات المرتبطة بها، و تفتح أبواب التصدير إلى دول الإقليم و الأسواق العالمية.

ولا تكمن أهمية هذه المحاصيل في إمكانات إنتاجها فحسب، بل في ما توفره من مزايا نسبية تقلل التكلفة و ترفع القدرة التنافسية. فبعض هذه المزايا منحها الله للسودان بحكم المناخ و الموقع و التوقيت الإنتاجي، الأمر الذي يجعل العائد الاقتصادي المتوقع أكبر من مجرد زيادة المساحات المزروعة أو حجم الإنتاج.

ومن هنا تتضح الحقيقة الأساسية: فالمشكلة ليست في غياب الفرص، و لا في نقص الموارد، بل في عدم استكمال المشاريع و تحويلها إلى برامج إنتاجية مستدامة.

المعرفة متوفرة… و التنفيذ متعثر:

المشكلة ليست في غياب الدراسات أو الأفكار، بل في ضعف القدرة على تحويلها إلى برامج مستمرة و نتائج قابلة للقياس. ولهذا تتكرر النقاشات نفسها منذ سنوات طويلة بينما يظل أثرها العملي محدوداً.

الإرادة .. الفرق بين البداية و الاكتمال:

فالنهضة، أي نهضة، تحتاج قبل كل شيء إلى إرادة مؤسسية مستمرة قادرة على حماية الخطط من التقلبات و ضمان تنفيذها عبر الزمن.

والمقصود بالإرادة هنا ليس الحماس المؤقت أو التصريحات العابرة، وإنما وجود رؤية واضحة تتبناها مؤسسات الدولة و تلتزم بها على المدى الطويل، بحيث لا تتوقف المشاريع بتغير الأشخاص أو تبدل المواقع أو تعاقب الحكومات.

المغزى الحقيقي:

إن السودان لا تنقصه الأرض، و لا المياه، و لا المناخ، و لا المعرفة الفنية، و لا الفرص الزراعية و الحيوانية الواعدة. وما ينقصه قبل كل شيء هو الإرادة المستمرة التي تحول هذه المقومات إلى مشروع وطني متصل الحلقات، لا يتوقف بتغير الأشخاص، و لا يتعثر بتبدل الحكومات، و لا يتراجع بتغير الأنظمة السياسية.

وقد أكدت تجارب معاصرة عديدة أن التمويل و التدريب و الدعم الخارجي يمكن توفيرها، أما الإرادة فلا يمكن منحها من الخارج. فالإرادة ليست معونة تُقدَّم، و لا مشروعاً يُستورد، بل هي قناعة داخلية و عزيمة جماعية تتجسد في مؤسسات مستقرة و أهداف واضحة و قدرة على الاستمرار.

إن نهضة الأمم لا تُقاس بحجم ما تملكه من موارد فحسب، بل بقدرتها على المحافظة على إرادتها عبر الزمن. فالإرادة هي حجر الزاوية في كل نهضة زراعية أو صناعية أو علمية أو اقتصادية.

فبالإرادة تُبنى الأمم، و بالإرادة تُقام الدول، و بالإرادة تُصنع النهضات، و بالإرادة تتحول الإمكانات إلى إنجازات. أما الموارد وحدها، مهما عظمت، فلا تكفي لصناعة المستقبل إذا لم تجد إرادة تؤمن بها، و تحرسها، و تمضي بها حتى النهاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى