لا حصانة في العمل الإنساني: رسالة من قضية تشاد

هشام يوسف عبد الرحمن
[تعقيب على الخبر المنشور بتاريخ 16 يونيو 2026 بشأن إعلان منظمة أطباء بلا حدود فصل 18 موظفاً ومتعاقداً عقب تحقيقات حول انتهاكات بحق لاجئات سودانيات في تشاد]أعاد إعلان منظمة أطباء بلا حدود فصل 18 موظفاً ومتعاقداً بعد تحقيقات كشفت عن حالات استغلال وانتهاكات جنسية بحق لاجئات سودانيات في تشاد، تسليط الضوء على واحدة من أخطر القضايا التي تواجه العمل الإنساني في مناطق النزاعات والكوارث واللجوء، وهي إساءة استغلال النفوذ والسلطة الممنوحة للعاملين في المجال الإنساني على حساب الفئات الأكثر ضعفاً واحتياجاً للحماية.
فالعمل الإنساني يقوم في جوهره على حماية الإنسان وصون كرامته، لا سيما في أوضاع النزوح واللجوء والكوارث والنزاعات المسلحة. وعندما يتحول بعض من أوكلت إليهم مهمة تقديم الحماية والمساعدة إلى مصدر للانتهاك أو الاستغلال، فإن الضرر لا يقتصر على الضحايا فحسب، بل يمتد ليطال الثقة في المنظومة الإنسانية بأكملها، ويقوض المبادئ التي قامت عليها هذه المنظمات ورسالتها النبيلة.
ومن الإنصاف القول إن ما حدث في تشاد ليس حادثة معزولة في تاريخ العمل الإنساني الدولي. فقد شهدت السنوات الماضية قضايا موثقة داخل عدد من المنظمات الدولية الكبرى، من بينها أوكسفام، وأنقذوا الأطفال، ومنظمة الصحة العالمية، وأطباء بلا حدود نفسها، حيث كشفت التحقيقات عن ممارسات استغلال أو تحرش أو إساءة استخدام للسلطة في بعض البيئات الإنسانية. وقد دفعت تلك الوقائع القطاع الإنساني إلى مراجعة سياساته وتعزيز أنظمة الحماية والمساءلة والإبلاغ عن الانتهاكات.
[المساعدات الإنسانية حق للمستفيدين وليست امتيازاً يمنحه موظف أو مسؤول، وأي استغلال لهذا الحق يمثل انتهاكاً مزدوجاً للإنسانية والقانون.]ومن المهم الإشارة إلى أن مواجهة هذه الظاهرة لا تتم عبر إنكارها أو التقليل من شأنها، وإنما من خلال الاعتراف بها والتعامل معها بشفافية وحزم. ولذلك يُحسب للمنظمات التي بادرت إلى فتح تحقيقات مستقلة واتخاذ إجراءات صارمة بحق المتورطين أنها أسهمت في ترسيخ مبدأ المساءلة بدلاً من التستر. وفي هذا السياق، فإن إعلان منظمة أطباء بلا حدود نتائج تحقيقاتها والإجراءات التأديبية التي اتخذتها بحق المتهمين يمثل خطوة إيجابية ينبغي البناء عليها وتعزيزها.
لكن هذه الجهود، على أهميتها، لا تعفي الحكومات الوطنية من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية. فوجود منظمات دولية تعمل داخل أراضي أي دولة لا ينبغي أن يخلق مناطق معزولة عن القانون أو المساءلة. ورغم أن العديد من الدول تمتلك تشريعات وقواعد تنظيمية تتماشى مع المعايير الدولية المتعلقة بحماية المستفيدين ومنع الاستغلال والانتهاك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن دائماً في غياب القوانين، بل في فعالية إنفاذها وتطبيقها. فضعف الأجهزة الرقابية، وقصور آليات المتابعة، ونقص الموارد والقدرات، وأحياناً الفساد أو تضارب المصالح أو التردد في مساءلة جهات تتمتع بنفوذ أو حضور دولي، كلها عوامل قد تحول دون التطبيق الصارم للقوانين القائمة. ومن ثم فإن المطلوب ليس فقط سن التشريعات ووضع الأطر التنظيمية، بل ضمان تنفيذها بصورة عادلة وفعالة، والتحقيق الفوري في أي ادعاءات موثوقة، ومحاسبة المتورطين وفقاً للقانون الوطني، بغض النظر عن جنسياتهم أو مناصبهم أو الجهات التي يعملون لديها.
كما أن الجهات المانحة الدولية مطالبة بمضاعفة جهودها في التحقق من تطبيق سياسات الحماية على أرض الواقع، وعدم الاكتفاء باللوائح والالتزامات المكتوبة. فالتجارب أثبتت أن وجود مدونات سلوك متقدمة لا يمنع وقوع الانتهاكات إذا لم تقترن برقابة فعالة، وقنوات آمنة للشكاوى، وحماية حقيقية للمبلغين والضحايا، وآليات تمنع انتقال الأشخاص الذين تثبت إدانتهم أو فصلهم بسبب هذه الممارسات من منظمة إلى أخرى أو من دولة إلى أخرى دون مساءلة. وفي الوقت نفسه، فإن المصداقية تقتضي الاعتراف بأن بعض حالات الانتهاك قد تتأثر بتعقيدات سياسية أو مؤسسية أو دبلوماسية، أو بتضارب في المصالح بين الأطراف المعنية، الأمر الذي قد يضعف فعالية المتابعة أو يؤخر إجراءات المساءلة. ومن هنا تبرز أهمية ضمان استقلالية آليات التحقيق والرقابة، وألا تخضع لأي ضغوط أو اعتبارات سياسية، بحيث يبقى معيار العدالة والمحاسبة واحداً على الجميع، بغض النظر عن جنسياتهم أو مناصبهم أو الجهات التي ينتمون إليها أو تمول عملهم.
ومن الضروري التذكير بأن المستفيدين من المساعدات الإنسانية لا يتلقون منّة أو فضلاً من أحد، وإنما يتمتعون بحقوق تكفلها القوانين الدولية والمبادئ الإنسانية. وعليه، فإن الغذاء أو العلاج أو المأوى أو فرص العمل المرتبطة بالبرامج الإنسانية لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تصبح وسيلة للابتزاز أو المقايضة أو الاستغلال. فالمساعدات الإنسانية حق إنساني أصيل، وليست أداة يمكن توظيفها لتحقيق مصالح شخصية أو مكاسب غير مشروعة.
وفي السياقات التي تشهد نزوحاً ولجوءً واسع النطاق، كما هو الحال بالنسبة لملايين السودانيين المتأثرين بالحرب، تصبح الحاجة إلى الحماية أكثر إلحاحاً. فالنساء والأطفال وغيرهم من الفئات الضعيفة يجب أن يشعروا بالأمان عند تعاملهم مع المؤسسات الإنسانية، لا أن يخشوا الوقوع ضحايا لاستغلال حاجتهم أو ظروفهم القاسية.
[تكريماً للآلاف الذين يعملون بشرف في الميدان الإنساني، يجب ألا يُسمح للقلة المسيئة بالاختباء خلف سمعة العمل الإنساني: صفر تسامح مع الاستغلال، وصفر حصانة للمستغلين.]ولا ينبغي أن تقود هذه الوقائع إلى التشكيك في الدور الحيوي الذي تقوم به المنظمات الإنسانية أو في تفاني الآلاف من العاملين الشرفاء الذين يواصلون أداء مهامهم في ظروف بالغة الصعوبة والمخاطر. لكن الحفاظ على نزاهة العمل الإنساني وسمعته يتطلب موقفاً واضحاً لا يقبل المساومة: صفر تسامح مع الاستغلال والانتهاك، وصفر حصانة لأي شخص يسيء استخدام سلطته أو موقعه الوظيفي، أياً كانت صفته أو مكانته.
إن قضية تشاد يجب أن تُقرأ باعتبارها جرس إنذار جديداً للقطاع الإنساني وللحكومات على حد سواء. فهي تذكّر المنظمات بضرورة تشديد الرقابة الداخلية وتطوير آليات الوقاية والكشف المبكر والمحاسبة، وتذكّر الحكومات بأن حماية اللاجئين والنازحين والمستفيدين من المساعدات مسؤولية سيادية لا يجوز التفريط فيها أو تركها للمعالجات الإدارية وحدها.
كما أنها تفرض على جميع الأطراف المعنية، من منظمات إنسانية وجهات مانحة وسلطات وطنية، أن تعمل بصورة أكثر تكاملاً لضمان أن تبقى المساعدات الإنسانية وسيلة لحماية الإنسان وتمكينه، لا مدخلاً لانتهاك حقوقه أو استغلال معاناته، وأن تظل مبادئ الحماية والمساءلة فوق أي اعتبارات سياسية أو مالية أو مؤسسية قد تؤثر على نزاهة التحقيقات أو عدالة المحاسبة.
وفي نهاية المطاف، فإن معيار نجاح أي عمل إنساني لا يقاس فقط بحجم المساعدات المقدمة أو عدد المستفيدين منها، بل أيضاً بقدرته على صون كرامة الإنسان وحمايته من أي انتهاك. وعندما يشعر المستفيد بأن حقوقه مصانة، وأن القانون يقف إلى جانبه، وأن من يسيء إليه سيحاسب دون تردد، عندها فقط يكتمل المعنى الحقيقي للعمل الإنساني وتتحقق رسالته النبيلة.



