إنتهى زمن الوكلاء: أمريكا تعيد ضبط البوصلة وأوروبا تتبع .. قراءة في 5 تحوّلات كبرى وما بعد مهلة الـ60 يوماً

د. محمد يوسف حسن
الوقائع تفرض منطقها .. وهذا ما يفسر التحول اللافت في تعاطي الغرب مع السودان خلال يونيو 2026. خمسة أحداث متزامنة تكشف أن “زمن الهندسة الخارجية انتهى، وبدأ زمن الواقعية الأمريكية التي تتبعها أوروبا خطوة بخطوة”.
أولاً: واشنطن تسحب سلاح “نزع الشرعية”
في 12 يونيو أسقط الكونغرس بند الطعن في شرعية تمثيل السودان بالأمم المتحدة. هذا البند كان سلاح الرباعية والخماسية لخنق “حكومة السودان” لصالح “البديل المدني”. إسقاطه قرار أمريكي سيادي يعني أن سياسة الخنق إنتهت، فالشرعية الآن لمن يدير الدولة من الخرطوم، لا لمن يملك مكتباً في نيروبي.
ثانياً: أوروبا تلحق بواشنطن وتزور الخرطوم
في 15 يونيو وصل وفد من السفراء الأوروبيين للخرطوم والتقى رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة. البيان الصادر عقب اللقاء لم يذكر “استعادة المسار الديمقراطي” بشكله القديم، ولم يطالب بعودة حمدوك. قال فقط: “عملية سياسية شاملة لا تستثني أحداً”. “أوروبا لا تبادر، تتبع.” الزيارة جاءت بعد القرار الأمريكي، وهي إدارة مخاطر لا سياسة مستقلة.
ثالثاً: مارك بوتينجا يهاجم أبوظبي علناً
نائب رئيس البرلمان الأوروبي، البلجيكي “مارك بوتينجا”، هاجم دور الإمارات في حرب السودان وعارض استقبال وفد إماراتي في البرلمان. أوروبا كانت تستخدم المال الإماراتي لتنفيذ أجندتها. اليوم صار الدعم الإماراتي للدعم السريع عبئاً يهدد مصالحها في البحر الأحمر. الرسالة: “لا نريد أن نغرق مع وكلائكم”.
رابعاً: بروكسل تستقبل حاكم دارفور وسفير السودان
اللقاء الذي تم قبل أيام في مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل مع “السيدة أنيت فيبر Annette Weber مبعوثة الاتحاد للقرن الأفريقي”، مع حاكم إقليم دارفور وسفير السودان لدى الاتحاد الأوروبي، هو الحدث الخامس والأخطر. لماذا؟
1. المكان: بروكسل عاصمة القرار الأوروبي، لا الخرطوم.
2. المستوى: مبعوثة القرن الأفريقي هي رأس حربة السياسة الأوروبية في الإقليم.
3. الطرف السوداني: حاكم دارفور + السفير. هذا اعتراف بمؤسسات الدولة القائمة. انتهى زمن استقبال “نشطاء المنافي” كممثلين للسودان.
هذا اللقاء يعني أن الاتحاد الأوروبي ينقل “الاحتواء” من الخرطوم إلى بروكسل، ويشرعن التعامل مع حكومة السودان على مستوى الإقليم كله.
خامساً: حوارات العواصم مع الإسلاميين
تقارير متطابقة عن حوارات في لندن وبروكسل وواشنطن مع الإسلاميين السودانيين. الغرب أدرك أن عزلهم يدفعهم لإيران وروسيا. لذلك انتقل من “العزل” إلى “الاحتواء”: إبقاؤهم داخل اللعبة أرخص من تحويلهم لعدو مكتمل.
لماذا الآن؟ الاتفاق الأمريكي-الإيراني هو المفتاح
الأحداث الخمسة جاءت بعد إعلان مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية وهدنة الـ60 يوماً في 10 يونيو مباشرة.
واشنطن تجهز الأرض، وأوروبا تتحسب للنتائج:
1. إذا نجح الاتفاق: ينخفض الدعم الإيراني للجيش السوداني. أمريكا وأوروبا تريدان سوداناً مستقراً. لذلك تعترفان بـ”حكومة السودان” وتحتويان الجميع. لقاء أنيت فيبر يؤسس لهذا المسار.
2. إذا فشل الاتفاق: يتحول السودان لساحة صراع بالوكالة. الغرب يريد قناة مفتوحة مع حكومة السودان لمنع ارتمائها الكامل في محور طهران-موسكو-بكين. لذلك يبني جسوراً مع الخرطوم ودارفور الآن.
في الحالتين، “البحر الأحمر أهم من حمدوك”. والممرات أهم من الشعارات.
سقوط سردية “جيش كيزان في مواجهة دعم سريع مدني”،
مجموعة حمدوك باعت الغرب هذه السردية لمدة 3 سنوات. الحرب فضحتها. الدعم السريع ارتكب الفظائع، وظلت المجموعة تبرر له. النتيجة: الشارع السوداني لفظهم، والغرب أحرجته السردية الأحادية. إسقاط بند الكونغرس + استقبال حاكم دارفور في بروكسل = دفن رسمي لمشروع “الشرعية المدنية البديلة”.
ماذا بعد الـ60 يوماً؟ سيناريوهان تقودهما واشنطن
السيناريو الأول: نجاح الهدنة الأمريكية-الإيرانية
أمريكا تثبت “الاحتواء” كسياسة دائمة، وأوروبا تطبّع علاقاتها بالكامل مع حكومة السودان. لقاء أنيت فيبر يتحول للجنة مشتركة دائمة. الإمارات تُجبر على خفض دعمها للدعم السريع لأن الغطاء الأمريكي-الأوروبي انسحب.
السيناريو الثاني: انهيار الهدنة
واشنطن تعود لسياسة المحاور، وأوروبا تتبعها فوراً: تعود للعزل، توقف لقاءات بروكسل، وتعيد تسويق سردية “جيش الكيزان”. الإمارات تستعيد دورها كوكيل.
خلاصة {قالوا سلاما}:
لا توجد “قراءة أوروبية متزنة” مستقلة. توجد “قراءة أمريكية واحدة، وأوروبا تترجمها بلغتها”. لقاء أنيت فيبر مع حاكم دارفور وسفير السودان هو الترجمة العملية لقرار الكونغرس. واللقاء مع أنيت فيبر هو “الختم الأوروبي” على هذا القرار الأمريكي.
والغرب كله يقول “سلاما” الآن لمعركة الوكلاء. يقول للإمارات: لن نحارب معك. ويقول لحمدوك: لن نفرضك. ويقول لحكومة السودان: نتعامل معكم لأنكم الواقع.
الـ60 يوماً القادمة لا تختبر إيران فقط. تختبر إن كان الغرب تعلم أن المال لا يشتري أوطاناً، والمنابر لا تصنع شرعية، وأن من يملك الخرطوم يملك شرعية السودان.



