رأي

من يدفع ثمن “المشاريب”؟.. الخليج وفاتورة الحرب الأمريكية الإيرانية

د. الهيثم الكندي يوسف

ها هي الحرب تضع أوزارها بين المحور الأمريكي الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة اخري. ومع توقيع إعلان المبادئ الذي تنص احدي فقراته الأربعة عشر على إعادة إعمار إيران التي دمرت، خرج نائب الرئيس الأمريكي فانس محدداً بوضوح بأن من سيدفع ثمن “المشاريب” هم دول الخليج العربي مطالبة بتحمل هذه الفاتورة والمقدرة بنحو 300 مليار دولار لإعادة بناء البنية التحتية الإيرانية.

تأتي هذه المطالبة الأمريكية كصدمة فوق الجراح الخليجية التي لم تندمل حتي الآن. فهل يعقل أن تغرم دول الخليج نفقات حرب لم تستشار في قيامها أصلاً؟

إن هذا الطرح يتجاهل حجم المعاناة الشديدة التي عاشتها المنطقة طوال فترة الصراع، بدءاً من القصف الإيراني الذي طال المدن الخليجية، وصولاً إلى شلل الشرايين الاقتصادية بعد إغلاق مضيق هرمز. هذا الإغلاق الذي حرم الميزانيات الخليجية من عائدات ملايين براميل النفط اليومية، وصاحبه تدهور حاد في بورصات الأسهم، وتوقف شبه كامل لحركة الطيران، وإحجام المستثمرين، وضغوط خانقة على المشاريع التنموية.

الأمر لن يتوقف عند حدود الــ300 مليار، إذ تشير المعطيات إلى أن واشنطن قد تطالب الخليج بدفع تعويضات إضافية عن خسائرها العسكرية تحت ذريعة فاتورة الحماية. وهي حماية مدعاة أثبتت أحداث الحرب زيفها، بينما كانت الصواريخ والمسيرات تتساقط على المدن والمنشآت الخليجية دون رادع، مما يرسخ القناعة السياسية التاريخية (المتغطي بأمريكا عريان).

إن المنطقة ما بعد الحرب لن تكون أبداً كما كانت قبلها. وكما رمت أوروبا طوبة أمريكا وبدأت تبحث عن استقلاليتها، تدفع هذه الأزمة دول الخليج للتفكير جديا في الانعتاق من عباءة الحماية الأمريكية الزائفة. الخيارات المطروحة الآن تتأرجح بين مقاربة العيش بسلام مع الجار الإيراني وتفكيك فزاعة العداء الخارجي التي عاشت عليها واشنطن لعقود، أو الذهاب نحو خيار الشراكات الأمنية والعسكرية الاستراتيجية مع الصين، التي كانت تنتظر هذه الفرصة الذهبية لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط وقدم لها ذلك على طبق من ذهب.

أبرز الدروس المستفادة من هذه الجولة من الحرب، بخلاف خطل الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، هو أن القوة المادية العسكرية والجاهزية التكنولوجية ليست العامل الوحيد للحسم، فالإرادة والثبات على المبدأ هما أمضى أسلحة النصر. حيث يرى العديد من المراقبين أن ما حدث يعد نصراً سياسياً واستراتيجياً لإيران، كون أمريكا لم تحقق أياً من أهدافها المعلنة للحرب.

كما علمتنا هذه المواجهة أن الحفاظ على وجود الدولة يبرر استخدام كل الأدوات المتاحة والمشروعة لردع العدوان.

تعلمنا أيضآ أن الغرب لن يستطيع ان يقدم حماية لايملك ادواتها في ظل تغيير انماط الحروب من التقليدية الي الحرب الذكية، فالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة لا يمكن ردعها بأي أنظمة دفاع، مما يعني انه لا توجد جهة بمنأي من آلآم الحرب ودمارها.

من الدروس التي تعلمناها أيضا أن الغرب لا يأبه بمصالح الآخرين، وأنه يمكن أن يضحي بأي علاقة ويتخلى عن أي حليف إذا تعارض ذلك مع خططه واستراتيجياته.

كذلك علمتنا أن أمريكا تبني علاقاتها مع الآخرين – حتي الذين تدعي صداقتهم – بعلاقة التابع بالمتبوع وليس بالتكافؤ فلا استشارة لشن حرب في مجال الأصدقاء الحيوي، ولا خيار في تحملهم لتكلفة الحرب وتغطية فاتورة الإعمار لأي تسويات تجريها.

والله إنها لمن الدروس البليغة التي نأمل أن يستفاد منها محلياً ونحن نخوض حرب الكرامة لحماية سيادتنا ومقدراتنا.

أخيراً يبقى القلق قائماً من السلوك الإسرائيلي، إذ يخشى أن تسعى تل أبيب لعرقلة الاتفاق النهائي. فالتهدئة الشاملة تعني بالضرورة كف يد إسرائيل عن ضرب لبنان وحزب الله، الحليف الأقوى الموثوق لإيران في المنطقة، وهو ما قد يهدئ الاحتقان الداخلي اللبناني والإقليمي، ولكنه في الوقت ذاته يصطدم بالرغبة الإسرائيلية والمطالبات الدولية بنزع سلاح الحزب، مما يجعل الاستقرار الهش وقودا لمرحلة قادمة من صراع النفوذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى