رأي

حين يضيق الطريق أمام المرتزقة… الدعم السريع في مواجهة سوق مغلق

 

مهند عوض محمود

الارتزاق ليس مجرد بنادق مأجورة؛ بل سوق له قوانينه و يقوم على ثلاثة شروط .. أجر مضمون؛ طريق وصول آمن؛ واحتمال معقول للنجاة؛ وحين ينتفي شرط من هذه الشروط يبدأ السوق في الانكماش ؛ وحين تنهار كل الشروط يتبخر العرض ويغلق السوق.

خلال العامين الماضيين اختلّت هذه المعادلة بالنسبة لمليشيا قوات الدعم السريع؛ فالقنوات المالية تقلبت؛ وخطوط الوصول تقطعت؛ ومؤشرات البقاء على قيد الحياة تراجعت مع الخسائر الميدانية المتلاحقة؛ وهنا بدأ النزيف الصامت لأحد أخطر مصادر قوتهم.

لو أن القنوات الأفريقية التقليدية بقيت مفتوحة كما كانت لما رأينا محاولات للبحث عن عناصر متخصصة بعيدة جغرافيًا؛ من قناصة وخبراء مسيّرات وفنيي تسليح في شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية؛ فالسوق الأفريقي كان يمدّهم بمقاتلين عاديين يجري إدماجهم بسرعة؛ لكن مع تقلص الأرباح وارتفاع المخاطر انكمش العرض؛ فاضطروا إلى التوجّه نحو “الاستيراد التقني” الأغلى والأكثر حساسية سياسيًا؛ وهذا بحد ذاته اعتراف بانكماش المصدر الأصلي.

التاريخ يقدم مثالًا واضحًا من حرب سيراليون في تسعينات القرن الماضي؛ حيث استعانت الحكومة بشركة المرتزقة الجنوب أفريقية “executive outcomes” لقلب ميزان القوة ضد المتمردين؛ وعلى الرغم من الاختلاف الجوهري عن الحالة السودانية، إذ إن المرتزقة هناك كانوا إلى جانب الدولة، إلا أن ديناميكيات السوق كانت مشابهة؛ تدفق بشري مدفوع الأجر طالما توافرت الأرباح والممرات؛ وانكماش حاد بمجرد ارتفاع الكلفة وتعاظم المخاطر وتقلص طرق الوصول؛ وفي النهاية، كما انكمش سوق الارتزاق في سيراليون، تتجه المؤشرات في السودان إلى المسار نفسه.

تراجع سوق الارتزاق لدى الدعم السريع له جذور واضحة؛ أولها تغير الخريطة الأمنية في الإقليم، حيث أصبحت الحدود تحت مراقبة أشد بفعل تعاون أمني إقليمي؛ وثانيها أن الهزائم المتتالية أضعفت سمعة الممول، مما جعل المردود المتوقع أقل من المخاطرة؛ وثالثها أن التهريب البشري لمقاتلين أجانب أصبح مكلفًا لوجستيًا بسبب ندرة الرحلات الجوية الآمنة وارتفاع كلفة التمويه.

في أفريقيا، يشكل المظهر الخارجي والسمات الجسدية حاجزًا إضافيًا أمام المرتزقة الأجانب، إذ يسهل تمييزهم في بيئة الصراع، مما يرفع خطر كشفهم مبكرًا ويقلل من فرصهم في البقاء؛ هذه المعضلة لا يمكن حلها بالمال فقط، بل تتطلب شبكات دعم محلية قوية، وهي شبكات لم تعد بنفس الولاء أو الجاهزية للدعم السريع كما كانت قبل عامين.

تجربة الحرب الأهلية في أنغولا في التسعينيات توفر مثالًا آخر؛ حيث انخفض تدفق المرتزقة تدريجيًا مع فقدان السيطرة على مناطق الثروات الطبيعية، وتغير موقف بعض الداعمين الإقليميين؛ في كلتا الحالتين، انكماش السوق كان نتيجة مباشرة لفقدان الموارد، تغير المزاج السياسي، وتعقيد الوصول إلى مسرح العمليات.

ومع انغلاق المسارات التقليدية، قد يحاول الدعم السريع تعويض النقص عبر فتح قنوات بديلة مع جماعات مسلحة في مناطق نزاع أخرى، أو استقطاب عناصر سابقة بخبرة في القتال غير النظامي؛ إلا أن هذه المحاولات ستصطدم بعقبات قاسية، تبدأ من ارتفاع الكلفة المادية والسياسية، مرورًا بصعوبة نقل الأفراد سرًا عبر خطوط المراقبة الإقليمية، وصولًا إلى هشاشة التعاقدات مع أفراد مرتزقة يعلمون جيدًا أن فرص النجاة أصبحت ضئيلة.

نحن على يقين أن الحكومة السودانية تتابع هذا التراجع بدقة؛ ولابد من استكمال ما يقفل الباب نهائيًا؛ عبر كسر حلقات السمسرة؛ توثيق المسارات السابقة وفضحها؛ وتشديد المراقبة على المعابر والمسالك التي كانت تستخدم في نقل المرتزقة، بحيث تصبح عملية استقدامهم معقدة ومكلفة إلى درجة تجعلها غير قابلة للتنفيذ؛ حتى يتحول الارتزاق في صفوف الدعم السريع إلى عبء يستنزفهم بدل أن يعزز قوتهم ؛ والى مغامرة خاسرة لا سوقًا رابحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى