رأي

هندسة تكلفة المعيشة في السودان: من خفض تكلفة السلع إلى حماية القدرة الشرائية وبناء منظومة عادلة للدعم

 

د. محمد صلاح علي الفكي

لا تُقاس صعوبة المعيشة في السودان بارتفاع أسعار السلع وحده، بل باتساع الفجوة بين تكلفة الاحتياجات الأساسية ودخول الأسر، وتراجع قدرتها على الوصول إلى الغذاء والدواء وسائر الضروريات. لذلك، لا ينبغي أن تقتصر المعالجة على تقديم مساعدات مؤقتة، أو إصدار قرارات إدارية لتثبيت الأسعار دون معالجة أسباب ارتفاعها، بل يجب أن تقوم على منظومة متكاملة تجمع بين خفض تكلفة السلع من مصادرها، وتحسين كفاءة الأسواق، وتوجيه الدعم إلى مستحقيه، وحماية القدرة الشرائية للمواطن.

والسؤال الاستراتيجي ليس فقط: كيف نساعد المواطن على شراء احتياجاته اليوم؟ بل أيضًا: كيف نجعل هذه الاحتياجات أقل تكلفة، ونحافظ على قدرته على شرائها مستقبلًا، دون تحميل الدولة التزامات مالية تتجاوز مواردها؟

إن نجاح هذه المنظومة يبدأ من فهم واقع السوق، وتحديد حجم المشكلة بالأرقام، ثم اختيار التدخلات التي تحقق أثرًا ملموسًا وقابلًا للقياس.

تشخيص تكلفة المعيشة من واقع السوق:

تبدأ المعالجة بإعداد خط أساس وطني لتكلفة المعيشة، يستند إلى سلة مرجعية من السلع الأساسية، تُحدد وفق أنماط استهلاك الأسر واحتياجاتها الفعلية. ويشمل ذلك الغذاء والاحتياجات الضرورية الأخرى، مع متابعة أسعارها وجودتها وتوافرها، ومراعاة الاختلافات بين الولايات والمناطق الحضرية والريفية.

ولا يكفي تسجيل الأسعار النهائية؛ بل ينبغي تحليل مكونات التكلفة منذ الإنتاج أو الاستيراد، مرورًا بالتمويل والنقل والتخزين والرسوم والتوزيع، وصولًا إلى سعر البيع للمستهلك. كما يجب جمع بيانات عن دخول الأسر، وعدد أفرادها، ومصادر دخلها، ومدى تأثرها بفقدان العمل أو النزوح أو الأعباء الصحية.

ويساعد هذا التحليل على التمييز بين الزيادات الناتجة عن ارتفاع تكلفة الإنتاج أو النقل أو التمويل، وتلك المرتبطة بتعدد حلقات التداول أو ضعف المنافسة أو الرسوم غير المبررة أو ارتفاع هوامش الربح في بعض مراحل السلسلة.

ولا يعني ذلك افتراض أن جميع الوسطاء يمثلون عبئًا على السوق؛ فبعضهم يؤدي وظائف ضرورية في النقل والتخزين والتوزيع. المطلوب هو تحديد الحلقات التي تضيف قيمة حقيقية، ومعالجة التكلفة غير الضرورية، وتوسيع المنافسة، حتى يصل أثر أي انخفاض في التكلفة إلى المستهلك.

ويُعتمد خط الأساس مرجعًا لتقييم التدخلات، بحيث لا تُعلن النتائج بناءً على الانطباعات أو الأسعار في منفذ واحد، بل وفق بيانات دورية قابلة للمقارنة والتحقق.

خفض التكلفة من المنبع:

لا يمكن بناء سياسة مستدامة لتخفيف أعباء المعيشة دون خفض تكلفة إنتاج السلع ونقلها وتمويلها وتخزينها. ويشمل ذلك مراجعة الرسوم والجبايات التي ترفع أسعار المنتجات دون عائد اقتصادي أو خدمي متناسب، وتسهيل تمويل المنتجين، وتحسين طرق النقل والتخزين، والحد من الفاقد، وتبسيط الإجراءات التي تعطل حركة السلع.

كما ينبغي ربط الإعفاءات والتسهيلات الاقتصادية بأثر قابل للقياس على تكلفة الإنتاج وسعر البيع النهائي، بدلًا من منح الامتيازات دون التحقق من انعكاسها على المواطن.

وتُتابع أسعار السلع عبر مراحل الإنتاج والتوزيع والبيع، مع تحديد مواضع ارتفاع التكلفة، ومراجعة التدخلات التي لا تحقق نتائج واضحة. ويجب أن تكون المنافسة العادلة والشفافية أساسًا لتصحيح الأسواق، لا فرض أسعار إدارية لا تراعي التكلفة الفعلية أو تفضي إلى نقص الإمداد.

أسواق البيع المباشر وتوسيع المنافسة:

يمكن إنشاء أسواق تعاونية ومنافذ للبيع المباشر من المنتجين أو الموردين إلى المستهلكين، مع إعطاء الأولوية للسلع الأساسية ذات الطلب المرتفع. ويمكن أن تشارك فيها التعاونيات والجمعيات والمؤسسات الإنتاجية والقطاع الخاص، وفق قواعد معلنة للجودة والتسعير والمحاسبة.

ولا تستهدف هذه الأسواق إقصاء التجار أو احتكار الدولة للتوزيع، بل توفير قنوات إضافية تنافسية تحد من التكاليف غير الضرورية، وتتيح للمواطن خيارات متعددة، وتساعد على مقارنة الأسعار.

وتستند أسعار هذه المنافذ إلى التكلفة الفعلية وهوامش تشغيل معقولة، مع نشر قوائم الأسعار ومراجعتها بانتظام. ويُقاس نجاحها بمقدار الفارق بينها وبين أسعار السوق، وبمدى توافر السلع واستقرار جودتها، والتحقق من أن الانخفاض ناتج عن كفاءة حقيقية في الشراء والتوزيع، لا عن دعم غير ممول أو ممارسات تضعف المنافسة.

كما ينبغي ألا تتحول هذه الأسواق إلى قنوات جديدة للاحتكار أو المحاباة في اختيار الموردين، بل تُتاح المشاركة وفق معايير شفافة توازن بين السعر والجودة والقدرة على الالتزام بالتوريد.

بطاقة إلكترونية شهرية للسلع الأساسية:

يمثل الدعم الموجه إلى الأسر المستحقة أحد مكونات المنظومة المقترحة، ويمكن تنظيمه من خلال بطاقة إلكترونية شهرية تتيح شراء السلع الأساسية من منافذ معتمدة، تشمل المتاجر القائمة والتعاونيات وأسواق البيع المباشر.

وتُصمم البطاقة لتكون وسيلة دفع مخصصة للسلع المحددة، لا مبلغًا نقديًا قابلًا للسحب أو التحويل إلى أشخاص آخرين. ويتيح النظام تسجيل العمليات ومراجعتها، والحد من الازدواجية والتلاعب، وقياس مدى وصول الدعم إلى المستفيدين.

ويجب التمييز بين ثلاثة عناصر: البطاقة أداة للدفع، والمنافذ قنوات لتوفير السلع، وأسواق البيع المباشر إحدى وسائل تعزيز المنافسة. ويساعد هذا الفصل على بناء منظومة مرنة لا تتوقف على إنشاء شبكة تجارية حكومية جديدة.

ولا يبدأ الصرف قبل التأكد من توافر التمويل الفعلي، وجاهزية النظام المصرفي والتقني، وقدرة المنافذ على توفير السلع وتسوية مستحقات الموردين والتجار في مواعيد واضحة. كما ينبغي توفير بديل تشغيلي مؤقت للمستفيدين عند تعطل الاتصال أو تعذر استخدام البطاقة، مع الاحتفاظ بسجلات موثقة تمنع الصرف المكرر أو غير المنضبط.

عدالة الاستحقاق وقيمة الدعم:

ينبغي أن يستند الاستحقاق إلى معايير معلنة تراعي دخل الأسرة وعدد أفرادها، وفقدان مصدر الدخل، والإعاقة، والأعباء الصحية، والنزوح، وغيرها من الظروف التي تؤثر في القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.

وتُبسط إجراءات التسجيل والتحقق، مع إتاحة الاعتراض وتصحيح البيانات، وحماية المعلومات الشخصية، ومراجعة القوائم دوريًا لمنع الإقصاء غير المبرر أو استمرار الصرف لمن لم تعد تنطبق عليه الشروط.

أما قيمة الدعم، فتُحدد وفق سلة مرجعية من الاحتياجات الأساسية، وحجم الفجوة بين تكلفتها وقدرة الأسر المستهدفة على شرائها، والموارد المالية المتاحة. وتُراجع القيمة دوريًا وفق تغير الأسعار والقدرة التمويلية، مع إعلان أسس المراجعة بشفافية.

ولا ينبغي تحديد مبلغ موحد دون دراسة، لأن احتياجات الأسرة تتأثر بعدد أفرادها ودخلها وظروفها. وفي المقابل، يجب أن تظل معايير الدعم بسيطة وقابلة للتطبيق، حتى لا تتحول إجراءات التحقق إلى عبء إداري يؤخر وصول المساعدة إلى مستحقيها.

والهدف ليس تغطية كل إنفاق الأسرة من المال العام، وإنما تخفيف فجوة الاحتياجات الأساسية بقدر عادل وقابل للاستمرار.

التمويل والانضباط المالي:

نجاح المنظومة مرتبط بوجود تمويل حقيقي ومستدام، لا بتعهدات غير مؤكدة أو توقعات مستقبلية. ويمكن أن تتكون مصادر التمويل من اعتمادات عامة مخصصة، ومساهمات مؤسسية منظمة وفق القانون، وتبرعات موثوقة، وأموال الزكاة للمستحقين ضمن مصارفها الشرعية وشروطها المعتمدة.

ويمكن لأصحاب العمل والمؤسسات المساهمة في دعم العاملين منخفضي الدخل، على أن تكون هذه المساهمات مكملة للأجور والحقوق الوظيفية، لا بديلًا عنها.

ويجب فصل حسابات البرنامج، وتوثيق كل مصدر تمويل وكل عملية صرف، ونشر تقارير دورية عن الموارد والمصروفات وعدد المستفيدين وتكلفة التشغيل والنتائج المحققة، مع إخضاع الحسابات لمراجعة مستقلة.

وتُحسب تكلفة الدعم المباشر وفق المعادلة التالية:

التكلفة الشهرية للدعم = عدد الأسر المستحقة × متوسط قيمة الدعم الشهري للأسرة.

فعلى سبيل المثال، إذا استهدف البرنامج مائة ألف أسرة، وكان متوسط الدعم الافتراضي مائة ألف جنيه للأسرة شهريًا، فإن تكلفة الدعم المباشر تبلغ عشرة مليارات جنيه شهريًا، قبل إضافة تكاليف التشغيل والرقابة والتقنية. وهذا مثال حسابي توضيحي، وليس تقديرًا للاحتياج الفعلي أو توصية بقيمة الدعم.

وقبل تحديد الميزانية النهائية، يجب إعداد ثلاثة تقديرات مالية على الأقل: سيناريو محدود، وسيناريو متوسط، وسيناريو أوسع، وفق أعداد المستفيدين وقيمة الدعم وتكلفة التشغيل. ويُختار النطاق الذي يمكن تمويله فعليًا، مع الاحتفاظ باحتياطي مناسب للمخاطر والتغيرات السعرية، وعدم احتساب التبرعات أو المساهمات غير المؤكدة ضمن الموارد المتاحة.

الحوكمة وتحديد المسؤوليات:

تحتاج المنظومة إلى جهة قيادية واحدة تتولى التنسيق والمساءلة عن النتائج، مع توزيع واضح للمهام بين الجهات المختصة بتحديد المستحقين، وإدارة التمويل والتسويات المصرفية، وتشغيل النظام التقني، وتوفير السلع، والرقابة والتدقيق.

ويُحدد الجهاز التنفيذي المسؤول بعد مراجعة الاختصاصات القائمة وقدرات المؤسسات المعنية، مع تجنب إنشاء أجهزة جديدة إذا كان بالإمكان تنفيذ البرنامج بكفاءة من خلال المؤسسات الموجودة.

وتُوثق عمليات التسجيل والصرف والتوريد، وتُعلن قواعد اختيار الموردين والمنافذ، وتُتاح قنوات للشكاوى والتظلمات، مع حماية بيانات المستفيدين ومنع استخدامها لأغراض لا تتصل بالبرنامج.

ويجب أن يصدر تقرير دوري يوضح الأموال المتاحة والمصروفة، وعدد الأسر المستفيدة، وتكلفة التشغيل، ومستوى توافر السلع، ومؤشرات الأسعار، والشكاوى التي تمت معالجتها. كما تُجرى مراجعة مستقلة للتحقق من سلامة الصرف ودقة البيانات والالتزام بمعايير الاستحقاق.

ولا تُقاس الحوكمة بوجود اللوائح وحدها، بل بقدرة النظام على منع الازدواجية، واكتشاف الأخطاء، وتسوية المستحقات في وقتها، وتصحيح الانحرافات، وإعلان النتائج بانتظام.

التنفيذ التجريبي خلال تسعين يومًا:

يُقترح البدء بتجربة محدودة في منطقة تتوافر فيها ثلاثة شروط أساسية: تمويل مؤكد، وإمداد كافٍ بالسلع، وقدرة مصرفية وتقنية وتشغيلية مناسبة. ويُحدد نطاق التجربة بعد دراسة الواقع المحلي، مع مراعاة وجود بيانات يمكن التحقق منها وقدرة الجهات المنفذة على المتابعة.

الأيام من 1 إلى 15: جمع بيانات الأسعار والدخول وتكلفة السلة الأساسية، وتقدير أعداد الأسر المستحقة، وحصر مصادر التمويل المؤكدة، والتحقق من توافر السلع وقدرة الموردين.

الأيام من 16 إلى 30: استكمال التسجيل والتحقق، واعتماد المنافذ والموردين، وتجهيز النظام، واختبار الدفع والتسوية والرقابة وحماية البيانات، بما في ذلك حالات تعطل الاتصال.

الأيام من 31 إلى 60: تشغيل التجربة، ومتابعة توافر السلع والأسعار وعمليات الشراء، ورصد الشكاوى وأخطاء الاستحقاق وتأخر التسويات، ومعالجة المشكلات التشغيلية.

الأيام من 61 إلى 90: تقييم النتائج بصورة مستقلة، ومقارنة الأسعار والقدرة الشرائية بخط الأساس، وحساب التكلفة الفعلية، وتحديد أوجه النجاح والقصور، واتخاذ قرار معلل بشأن التعديل أو التوسع أو الإيقاف.

وتُحدد أهداف رقمية للتجربة بعد جمع خط الأساس، تشمل مقدار التحسن المستهدف في تكلفة السلة، ونسبة نجاح عمليات الشراء، ودقة تحديد المستحقين، وانتظام التسويات، ومستوى توافر السلع، وتكلفة التشغيل لكل أسرة. ولا يجوز وضع أهداف رقمية اعتباطية قبل معرفة الواقع الذي يُراد تحسينه.

وتُعد التسعون يومًا فترة لاختبار الجدوى التشغيلية والآثار الأولية، وليست دليلًا كافيًا وحدها على الاستدامة المالية أو الاقتصادية طويلة الأجل.

قياس الأثر وإدارة المخاطر:

تُقاس النتائج من خلال مسارين متكاملين.. كفاءة السوق وتكلفة السلع

-التغير في تكلفة السلة الأساسية مقارنة بخط الأساس.
-الفروق السعرية بين المنافذ المعتمدة والأسواق الأخرى.
-توافر السلع وجودتها ومعدلات انقطاع الإمداد.
-تكلفة النقل والتخزين والتوزيع والفاقد.
-مدى انتقال الوفورات الناتجة عن خفض التكلفة إلى المستهلك.

فعالية الدعم وحماية القدرة الشرائية:

-نسبة وصول الدعم إلى الأسر المستحقة ودقة تحديدها.
-انتظام إتاحة الأرصدة ونجاح عمليات الشراء.
-تسوية مستحقات الموردين والتجار في مواعيدها.
-أخطاء الاستحقاق والازدواجية والشكاوى المعالجة.
-تكلفة التشغيل والرقابة لكل أسرة مستفيدة.
-مقدار التحسن في قدرة الأسر على شراء السلة الأساسية.

وتُحدد لكل مؤشر قيمة ابتدائية، وهدف زمني، ومصدر بيانات، وجهة مسؤولة عن القياس، ودورية للإبلاغ. وبذلك تصبح المؤشرات أدوات لاتخاذ القرار، لا مجرد أرقام تُعرض في التقارير.

وتشمل المخاطر المحتملة ارتفاع التضخم، ونقص الإمداد، والتلاعب، وتأخر التسويات، وتعطل الاتصال، وتسرب البيانات، وارتفاع الأسعار في بعض المنافذ نتيجة زيادة الطلب. وتُعالج هذه المخاطر بتنويع الموردين، وربط أعداد المستفيدين بحجم السلع المتاحة، وتأكيد التمويل قبل الصرف، وتشديد الرقابة، وتوفير بدائل تشغيلية، وحماية البيانات، والمحافظة على المنافسة.

ولا يُتخذ قرار التوسع بناءً على عدد البطاقات الصادرة أو الأموال المصروفة وحدهما، بل بناءً على تحسن ملموس في القدرة الشرائية، وانضباط مالي، وتوافر السلع، ونتائج رقابية موثوقة. فإذا ظهرت مشكلات قابلة للعلاج، يُعدل البرنامج؛ أما إذا ثبت عجز التمويل أو اختلال النزاهة أو تعذر تنفيذ المعاملات بصورة موثوقة، فيُوقف الجزء المتأثر إلى حين معالجة الخلل.

من الدعم إلى الإنتاج المحلي:

لا تكتمل هندسة تكلفة المعيشة بتسهيل شراء السلع فقط؛ بل يجب أن تتصل بزيادة إنتاجها محليًا كلما كان ذلك ممكنًا اقتصاديًا، وتحسين إنتاجية المزارعين والمصنعين، وتطوير التخزين والتصنيع الغذائي، وتنظيم الشراء بعقود واضحة تضمن الجودة والسعر والالتزام بالتوريد.

ويمكن لأسواق البيع المباشر أن تكون حلقة وصل بين المنتجين والمستهلكين، شريطة أن تكون شروط التعاقد شفافة، وأن تُراعى المنافسة، وألا تُمنح الأفضلية لمورد لمجرد هويته إذا لم يقدم سعرًا وجودة وموثوقية مناسبة.

كما يمكن أن تسهم بيانات المبيعات والأسعار في تحديد السلع الأكثر طلبًا، والمناطق التي تعاني نقصًا في الإمداد، ومواطن ارتفاع التكلفة. وبذلك تتحول المنظومة من أداة دعم استهلاكي إلى مصدر معرفة يساعد على تحسين قرارات الإنتاج والتوزيع والتخطيط الاقتصادي.

من دعم الاستهلاك إلى بناء القدرة الشرائية المستدامة:

إن معالجة تكلفة المعيشة في السودان تتطلب الانتقال من تدخلات متفرقة إلى منظومة مترابطة تبدأ بقياس التكلفة، ثم خفض الأعباء غير المبررة، وتوسيع المنافسة، وتوجيه الدعم إلى مستحقيه، وضمان التمويل والرقابة، وقياس الأثر، وربط النتائج بتطوير الإنتاج المحلي.

ولا ينبغي النظر إلى البطاقة الإلكترونية باعتبارها الحل الكامل، ولا إلى أسواق البيع المباشر باعتبارها بديلًا عن السوق، ولا إلى الدعم باعتباره التزامًا مفتوحًا بلا سقف مالي. فكل أداة تؤدي وظيفة محددة داخل منظومة واحدة، ونجاحها مرهون بتكامل الأدوار ووضوح المسؤوليات وصدق البيانات واستدامة الموارد.

وتتمثل الخطوة العملية الأولى في إعداد خط أساس موثوق للأسعار والدخول والاحتياجات، وتحديد الأسر المستحقة، وحصر مصادر التمويل المؤكدة، والتحقق من توافر السلع، ثم تنفيذ تجربة محدودة بأهداف رقمية معلنة، تُراجع نتائجها بصورة مستقلة قبل اتخاذ قرار التوسع.

فالغاية ليست أن يحصل المواطن على بطاقة، بل أن تنخفض تكلفة احتياجاته، وتتحسن قدرته على شرائها، ويصل الدعم إلى مستحقيه، وتتحول الموارد المحدودة إلى أثر ملموس في حياة الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى