رأي

الحرب الخفِيّة

 

 

دكتور حسن عيسى الطالب

 

 

فضيحة الأدوية المخفية بمستودعات وزارة الصحة المركزية، والتي لا يشك أحد أنها خيانة عظمى، وتدبير إجرامي، جرى بفعل فاعل، فتسبب في إزهاق الآلاف من الأرواح البريئة التي كان يمكن تداركها. وفوق ذلك هذه جريمة حرب، وجريمة ضد الوطن والمواطن وضد الإنسانية، ويجب ألا تمضي ولا تمر إلا بتحقيق كاشف يوضح ملابساتها، ومحاسبة المتسببين، والاستفادة من العبر المستقاة من دروسها.

 

حدثت فيما سبق مؤامرات مثيلة لهذه، في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، إبان حكم نظام مايو (1969م – 1985م) حيث كانت الصهاريج الملآى بالبنزين والجازولين المحملة على القطارات من بورتسودان، تصل فارغة للمستودعات، وبفعل فاعل يقوم بإحداث ثقوب، وإرخاء الأقفال الحاكمة على الصنابير. كما حدث إبان تلكم الفترة انهيار لبعض السدود وقنوات التصريف الرئيسة بالمشاريع المروية ساعة تدشينها.

 

ما يحدث اليوم في البلاد من تدمير ممنهج للمرافق الخدمية العامة والحساسة كالكهرباء، والمياه، وتراكم النفايات بالطرق والميادين العامة، وتدهور البيئة، وحتى انتشار الأوبئة المتتالية والمتسارعة، التي يأخذ بعضها برقاب بعض، وظهور أمراض مبهمة وغير معروفة لأسلاف السودانيين، لا يمكن أن تتزامن جميعها، وبهذه التواترية التصاعدية، ثم يكون كل ذلك مجرد صدفة عارضة. هذا أمر لا يستكين له إلا غافل عاطل، ولا يمر على من يسمع ويبصر فيعقل.

 

هذه حرب منهجية، وتدار بطرق مستحدثة وغير تقليدية، وتستخدم فيها برامجيات وآليات الجيل الخامس، بيلوجيا، والكترونيا، وإداريا، وهي موجهة بامتياز ضد الوطن والمواطن.

وعليه يتعين أن تُجابه بما تستحقه من تدابير ودفوعات.

فينبغي أن تقوم كافة الوزارات، والهيئات الخدمية، بمراجعات وتحديثات فورية وشاملة، تتضمن استدعاء كافة وكلاء الوزارات، والأمناء والمديرين العامين الذين عملوا إبان حقبة ما قبل أبريل 2019م لتوضيح بعض الغوامض الديوانية والتدابير العملية، والإستفادة من خبراتهم التراكمية، لتفسير ماجرى وما يجري. ذلك لأن معظمهم، إن لم يكن كلهم، تم طردهم من الخدمة وفصلهم تعسفيا، دون اجراءات التسليم والتسلم المنصوص عليها في قانون الخدمة المدنية فأفضى ذلك لفقدان الذاكرة المرجعية. ومن جاء بعدهم، لم تكن لديه الخبرة الديوانية، ولا الدراية المهنية، ولا المسؤولية الوطنية الكافية لإجراء ما يتعين عمله. بل كانت لديهم أجندة سياسية ومصفوفات أيدولوجية يتحتم إنفاذها من قبل من عينوهم في تلك المناصب، لاستخدام هذه المرافق لتمرير الأجندة، مثلما حدث من استخدام المستشفيات والمرافق الوطنية ومساكن المواطنين وإحالتها لترسانات حربية من قبل الميليشيا، ولأول مرة في تمرد ضد الجيش الوطني.

 

كذلك يتعين تفعيل جهاز الأمن الاقتصادي، وجهاز حماية المنشآت العامة والمرافق الاستراتيجية، ومراجعة كافة أدوات وأجهزة الحماية وتحديثها.

 

تشير كافة الدلائل إلى أن الحرب الميدانية على وشك الحسم، بإذن الله، ولكن الحرب الأخرى، غير التقليدية، هي ما يعكف أعداء السودان على تسعيرها الآن، والهدف هو تعكير الحياة على المواطن، ومعاقبته وتدميره، بحسبانه كان السبب الأساسي في إفشال المخطط الأجنبي ومقاومة أجندة الإرتزاق وبيع الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى