صدَّام حفتر في انجمينا… ماذا وراء الجدران؟

إنجمينا – المحقق
في مطلع أغسطس الحالي، أجرى الفريق أول صدام خليفة حفتر، رئيس أركان القوات البرية التابعة للقيادة العامة للجيش الليبي، زيارة رسمية إلى العاصمة التشادية إنجمينا، التقى خلالها بالرئيس محمد إدريس ديبي إتنو ؛ ورغم الطابع الرسمي الذي غلّف الزيارة، فإن توقيتها، وموقعها الجغرافي، وسياقها الإقليمي، يجعلها أبعد ما تكون عن البروتوكول العابر، ويضعها ضمن شبكة حسابات استراتيجية تتقاطع عندها مصالح ثلاث دول هي ليبيا، تشاد، والسودان.
*لقاءات متتابعة*
اللقاء الذي استمر لأكثر من ساعتين، تناول ملفات علنية كإعادة فتح الحدود عبر محور الكفرة–تيبستي، تنشيط التجارة، تسوية أوضاع المحتجزين، والتنسيق في قضايا الهجرة والتهريب ؛ إلا أن خلف هذه العناوين تبدو مؤشرات أوضح لتحولات أعمق، في وقت تشهد فيه دارفور وغرب كردفان معارك حاسمة تخوضها القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها، ضد تمرد يسعى لإعادة بناء موارده من خلال حدود رخوة، وتقاطعات مصالح إقليمية.
الزيارة سبقتها زيارة أولى في يونيو 2024 حين التقى صدام حفتر بالرئيس ديبي في لقاء غير معلن، جرى بعيدًا عن عدسات الإعلام، بعد إعلان فوز الأخير بالانتخابات الرئاسية. وبين اللقاءين، وقعت حادثة فارقة حين انسحبت وحدات من القوات المسلحة السودانية من منطقة حدودية استراتيجية قرب المثلث بين السودان ومصر وليبيا، بعد هجوم شنّته مليشيا الدعم السريع ؛ و وفق بيان رسمي للقيادة العامة للجيش السوداني، فإن الهجوم نُفذ بتسهيلات لوجستية عبر الأراضي التشادية، وتنسيق ومشاركة مع مجموعات مسلحة مرتبطة بقيادة حفتر في الجنوب الليبي.
*قاعدة معطن السارة*
في قلب هذا المشهد، تتصدر قاعدة “معطن السارة” الجوية في جنوب ليبيا دورًا متناميًا. وهي التي تُشرف عليها وحدات روسية خاصة، تؤدي أدوارًا تتجاوز الاستطلاع الجوي، لتشمل تأمين التحركات عبر الصحراء، ودعم حلفاء ميدانيين في مثلث الحدود، بل والتأثير غير المباشر في مسارات الصراع السوداني، من خلال ضبط أو تمرير الإمداد العسكري، بحسب شبكة التوازنات المصلحية على الأرض.
صدام حفتر، الذي يُعدّ رجل المهمات الخاصة في الجنوب الليبي، يتحرك في الفضاء الرملي المتداخل بين تشاد ودارفور وفزان، بصفة غير دبلوماسية، ولكن بأدوار تتعدى صلاحيته العسكرية. وجوده في إنجمينا ، بعد صمت طويل في العلاقة الليبية–التشادية، يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة التحالف الجاري بناؤه هناك، وهل الهدف منه هو ضبط الحدود، أم إدارة خطوط الإمداد، أم توسيع نفوذ.
من زاوية سودانية، فإن مشهد إنجمينا لا يمكن قراءته بعيدًا عن معركة الخرطوم الواسعة لحماية أمنها الحدودي. فالاتهامات الرسمية الموجهة لتشاد بدعم المتمردين، وتغاضيها عن تجنيد عناصر من قبائل مشتركة، يجعل الحديث عن أي تعاون أمني حقيقي بين البلدين أمرًا غير واقعي. بل إن تشاد، بواقعها الحالي، تبدو أقرب إلى طرف مباشر في الحرب، لا وسيطًا، ما يستوجب إعادة تعريف العلاقة معها ضمن محددات الأمن القومي السوداني، لا منطق الجوار التقليدي.
*أدوار مطلوبة*
على الأرض، تواصل القوات المسلحة السودانية بسط سيطرتها في ولايات دارفور وغرب كردفان، وتنجح في تحجيم المتمردين وملاحقة فلولهم. لكن التحدي الأخطر لا يزال يكمن في خطوط الإمداد المفتوحة عبر الجنوب الليبي وغرب دارفور، وممرات التهريب الممتدة إلى تشاد. إن ضبط هذه الجبهة لا يكون فقط بالعمليات العسكرية، بل أيضًا بفرض إرادة سياسية على الدول المتورطة، وإعادة هندسة العلاقات الثنائية بصرامة تتناسب مع جدية التهديد.
في هذا السياق، تبرز أهمية تعزيز الانتشار الاستخباري والعسكري في عديلة والطينة وأم دافوق، وتحويل المثلث الحدودي إلى منطقة رقابة أمنية متقدمة، قادرة على التصدي لأي اختراق قبل وقوعه. كما يتعين دفع التمثيل الدبلوماسي والاستخباري إلى فزان، لتأمين الحد الليبي وتحجيم أي دور لمجموعات مسلحة تتقاطع مع أجندات معادية للدولة السودانية.
وبينما تتكثف التحركات على حدود السودان الغربية، يتساءل المراقبون إن كانت زيارة صدام حفتر إلى إنجمينا مجرد إعادة تنشيط للتنسيق الليبي– التشادي، أم أنها تأتي ضمن هندسة إقليمية أعقد، تتداخل فيها المصالح والضغوط والرسائل المتبادلة. فهل يُراد لهذه الحدود أن تكون ممرًا للاستقرار… أم ساحةً لإعادة تدوير الفوضى؟!



