الذاكرة السودانية : من حكاياتنا مايو .. قصة طفل همشكوريب في منزل نميري


محمد الشيخ حسين
كان الطفل محمد أحمد عيسى في التاسعة من عمره على موعد مع القدر حين زار الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري همشكوريب في خواتيم العام 1969م. ومن هنا تبدأ القصة.
في تلك الأثناء كانت تهمة الشيوعية تصبغ كل مشاريع وخطط ثورة 25 مايو 1969.
وتناقل الناس في كسلا وغيرها من مدن الشرق المزمع أن يزورها نميري أن (الشيوعيين مسكوا البلد). وخلافاً للرأي الذي كان ينادي بعدم إظهار الاحتفاء بنميري، رأي الشيخ علي بيتاي أن يستقبل نميري في إحدى خلاويه، وبالفعل أرسل له الدعوة.
أثارت دعوة الشيخ بيتاي دهشة واستغراب الجميع، وملأت الأسئلة التي تبحث عن إجابات أذهان الجميع، كيف للشيخ علي بيتاي بكل ما عرف عنه من علم وتقوى أن يستقبل قائد انقلاب شيوعي؟
لكن الشيخ علي بيتاي قرأ بفراسته وكشفه المعهود خريطة الأشياء أو الواقع قراءة صحيحة، وأجاب عن أسئلة الجميع قائلا (إن نميري ما دام سوداني نحن لا نعارضه وكمواطنين نستفيد منه). وأردف (نميري في تقديري (رجل وقت) يتحقق منه من الخير ما سيكون دعامة للتوجه الإسلامي في السودان، وأنه سيحكم بالشريعة).
وجدت دعوة الشيخ علي بيتاي لنميري قبولاً عند الجميع الذين سرعان ما هبوا لإعداد مكان الاستقبال في منطقة مكلي في أحد تفاتيش نهر القاش.
واستعد الجميع لاستقبال الضيف الكبير، وفي مكان الاحتفال استقبل الشيخ بيتاي وحيرانه نميري استقبالا حافلا. وكان الحيران يمسكون التهليل رافعين ألواحهم وكان أصغر الحفظة سناً بطل هذه القصة الدكتور – لاحقاً – محمد أحمد عيسى الأستاذ بجامعة أم درمان الإسلامية، فقدم لافتتاح الحفل فقرأ لوحاً من سورة الأعراف: (وإلى عادٍ أخاهم هودا .. قال ياقوم أعبدوا الله مالكم من إلهٍ غيره أفلا تتقون). وعاد بعد التلاوة إلى رفاقه الحيران.
في نهاية المهرجان قدم الشيخ على بيتاي هدايا رمزية لنميري تمثلت في: اللوح، المصحف الكريم، سجادة صلاة، سبحة، أبريق، درقة، وسيف.
وبمجرد أن استلم الهدايا استل نميري السيف وقطع به فرعا من شجرة نيم، وقال (أنا أؤيد الدين والخلاوي وأهل القرآن الكريم).
عند العودة لبطل قصتنا محمد أحمد عيسى، فقد حدث بعد شهر من زيارة نميري لهمشكوريب أي في أكتوبر 1969، أن أخبر الشيخ علي بيتاي والدي بطلنا أن الرئيس جعفر نميري طلب أن يأخذ ابنكم محمد معه ليعلمه. ورحب الوالدان بالطلب، خاصة أن الأمر جاءهما عن طريق الشيخ علي بيتاي.
وأكمل محمد رحلته إلى الخرطوم برفقة الشيخ علي بيتاي، وحينما وصلا إلى منزل نميري كان معه بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة. وطلب منه الشيخ علي بيتاي أن يقيم مع نميري ثم غادر عائدا إلى همشكوريب.
حينما يعيد الدكتور محمد أحمد عيسى الأستاذ بجامعة أم درمان الإسلامية شريط تلك اللحظات الآن بعد مضي هذا الزمن الطويل، (لا يبدو له أن الشيخ الداعية علي بيتاي وضعه في يد نميري وغادر راضيا بعد أن أدى رسالته وانتهت مهمته في إيصالها، لأن الأمر أكبر من ظواهر الأشياء التي ندركها نحن العامة بحواسنا المجردة).
حسب البطاقة الشخصية، فإن محمد أحمد عيسى ولد في همشكوريب في عام 1960م. وأكمل المرحلة الإبتدائية بهمشكوريب. ومرحلة الثانوي العام بمعهد القرآن الكريم الثانوي في قرية ألتي في شمال الجزيرة. ومرحلة الثانوي العالي بمعهد أم درمان العلمي. وحصل على البكالوريس من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في المملكة العربية السعودية. والماجستير بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، ثم الدكتوراة من جامعة أم درمان الإسلامية. وكان تخصصه في كل تلك المراحل القراءات.
تزامن وصول محمد إلى منزل نميري في المرة الأولى مع وجود بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة. أخبر نميري رفاقه أن محمد من حفظة القرآن الكريم، وطلب منه أن يقرأ بعض الآيات أمامهم.
وأثارت قراءاته للقرآن الكريم استغراب الحضور، فقد كان أمراً غريباً عليهم أن يقرأ فتى في التاسعة من عمره بهذا التجويد، وكانوا يختبرونه بفتح المصحف والسؤال عن آية من آياته. وكان ينسبها إلى سورتها. وكانوا يتعجبون من دقة حفظ محمد.
اقترح الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر، على نميري أن يبعث بمحمد إلى الاتحاد السوفيتي لإكمال تعليمه هناك. وراقت الفكرة لنميري، فاستشار الشيخ علي بيتاي، لكن الشيخ فضل لمحمد التعليم الديني.
وتلقى محمد أثناء وجوده في منزل نميري دروسا مكثفة في الوعظ والإرشاد في خلوة كانت في منزل بالخرطوم بحري تحتله الآن عيادة الدكتور الجزولي دفع الله والدكتور كشان.
سكن محمد في منزل نميري في القيادة العامة منذ قدومه للخرطوم. ولم تسبب له رحلة الانتقال من العيش في همشكوريب إلى الخرطوم وفي منزل رأس الدولة أي فوارق في حياته لبساطة الحياة في منزل الرئيس. وسببت إجراءات الدخول والخروج في القيادة العامة لمحمد شيئا من الإرباك. لكن رعاية السيدة بثينة خليل حرم الرئيس نميري لمحمد خففت كثيرا من هذا الإرباك.
في منزل نميري كان لمحمد غرفة خاصة، وكان يلتقي الرئيس نميري بشكل راتب كل نهار يوميا، وفي الليل كان يرسل له لكي يحضر لقراءة القرآن الكريم.
مكث محمد في منزل نميري منذ حضوره في أكتوبر 1969 حتى 15 يوليو 1971، حين استدعاه نميري وطلب منه قضاء إجازة مع أهله في همشكوريب.
وبعد وصول محمد لهمشكوريب بثلاثة أيام فقط حدث انقلاب هاشم العطا، وظل لمدة 15 يوما في همشكوريب بعد الانقلاب.
سكن محمد في منزل نميري في ضيافته ورعايته الكاملة إلى أن التحق بمعهد القرآن الكريم بقرية ألتي (شمال الجزيرة)، حيث قضى ثلاث سنوات في المعهد ولم تنقطع زياراته لمنزل وعائلة نميري طيلة هذه السنوات. وكان نميري يصرف على محمد الذي التحق بمعهد أم درمان العلمي.
وفي يوم الانقلاب الذي نفذه المقدم حسن حسين عثمان في سبتمبر 1975م، تناولت وسائل الإعلام أن نميري سيقوم بزيارة لكسلا. فقال محمد لنميري أريد أن أذهب معك إلى كسلا في هذه الرحلة؟ لكن نميري رد على محمد (بنهرة): أمشي دراستك، أنا ما ماشي كسلا. وحدث يومها الانقلاب وفشل.
كان نميري يأتي إلى غرفة محمد الخاصة في المنزل، ليطمئن على مواظبته القراءة والمذاكرة، والاستماع إلى تلاوته، حيث كان نميري محبا جدا للقرآن الكريم وقراءته وسماعه.
من ذكريات محمد الجميلة أنه في عام 1976م ذهب مع نميري إلى الحج. وبعد العودة من الحج زار نميري همشكوريب وذهب معه محمد. وبعد لقاء نميري بالشيخ على بيتاي والاستقبال الذي قوبل به. خطب نميري في همشكوريب قائلا (همشكوريب قاعدة انطلاقي إلى السماء).
وكان الشيخ علي بيتاي قد قدم نميري ليؤم المصلين. وهذا يعني أن نميري رجل لا يشبه غيره.



