رأي

السودان والاتحاد الأوروبي: من الإدانة إلى “بوابة العالم”

د. محمد يوسف حسن

لأول مرة منذ اندلاع الحرب الإستئصالية في السودان، يُسمّي البرلمان الأوروبي الداعم الخارجي للتمرد باسمه الحقيقي. هذه ليست مجرد إدانة، بل هي “نافذة سياسية” فُتحت أمام السودان على مصراعيها. السؤال الآن ليس “ماذا قالت أوروبا؟” بل هو “ماذا سيفعل السودان؟”

لقد شبعنا من بيانات الشجب. والعالم شبع من سماع “معاناة السودان”. المرحلة القادمة تتطلب عقلاً اقتصادياً بارداً ومدبرا، وخطة عمل لا عاطفة فيها. إذا أردنا أن يتحول الموقف الأوروبي من “مراوغة” إلى “شراكة”، ومن “إغاثة” إلى “إعمار”، فأمامنا طريق واضح.

“بيعوا “المصلحة” لا “المأساة” فأوروبا لا تشتري صور الدمار. لكنها تشتري الفرص. ومشروع “بوابة العالم” في ميناء بورتسودان الجديد هو أكبر فرصة على الطاولة. هو ليس مجرد ميناء، بل هو أقصر طريق يربط 1.3 مليار أفريقي بالسوق الأوروبية، وبديل استراتيجي آمن عن طرق القرن الأفريقي المهددة.
على الحكومة السودانية أن تترجم هذا الحلم إلى ملف استثماري احترافي. ملف فيه خرائط وأرقام وضمانات وإدارة مشتركة مع شركات أوروبية. قدموا للأوروبي عقداً لا صدقة. فالمستثمر الأوروبي يبحث عن عائد، لا عن شعارات.

“تحدثوا بصوت “الدولة” لا “الضحية”، فالاتحاد الأوروبي يتعامل مع دول ذات سيادة ومؤسسات. آن الأوان أن نوقف خطاب “نحن نتألم” ونبدأ خطاب “نحن نبني”.
وفد رفيع من مؤسسات الدولة الرسمية والقطاع الخاص يجب أن يكون في بروكسل وبرلين وباريس الأسبوع القادم. رسالتهم يجب أن تكون واضحة وحاسمة: نحن الدولة الشرعية، والحرب ستنتهي، والسؤال هو هل ستكونون معنا في إعادة البناء أم ستتركون الساحة للآخرين من آسيا؟ توحيد الخطاب الداخلي اليوم هو نصف المعركة الخارجية غداً.

فكوا “عقدة الاشتراطات” بذكاء
فالأوروبي يحب خارطة الطريق ويطمئن للجداول الزمنية. فلنقدم له واحدة. نقترح عليه اتفاقاً مرحلياً: مقابل كل خطوة إصلاح حقيقي نقوم بها في الحكم والشفافية، يفك الاتحاد جزءاً من العقوبات ويفتح خط ائتمان لإعادة الإعمار.
والأهم أن نقولها بوضوح: بدل أن تدفعوا مليارات للمنظمات الدولية، ضعوها في صندوق إعادة إعمار سوداني-أوروبي تحت إشراف أممي. بهذه الطريقة نكسر احتكار المنظمات ونثبت أننا دولة مسؤولة قادرة على إدارة أموالها ومشاريعها.

اربطوا أمن السودان بأمن أوروبا، فلا يمكن فصل الملف الاقتصادي عن الملف الأمني. والبحر الأحمر ليس شأناً سودانياً خالصاً. هو شريان حياة أوروبي. عدم استقرار السودان يعني موجات لجوء جديدة، وتهريب سلاح، وجماعات إرهابية على أبواب أوروبا.
لذلك يجب أن نعرض على الاتحاد “شراكة أمنية للبحر الأحمر” تنطلق من بورتسودان. اجعلوهم يشعرون أن أمنهم يبدأ من سواحلنا وأن استقرارنا هو استقرارهم. هذه هي اللغة التي يفهمها صانع القرار في بروكسل. هم يشترون أمنهم بأي ثمن.

اكسبوا “الرأي العام” قبل البرلمان، فالقرارات في أوروبا يصنعها الإعلام والمجتمع قبل أن يصوت عليها النواب. نحتاج إلى حملة إعلامية واحدة بعنوان: السودان بوابة العالم “Sudan: The Gateway”. حملة تستضيف صحفيين كباراً لزيارة بورتسودان، وتنتج أفلاماً قصيرة عن تاريخ السودان وموقعه، وتروي قصص الصمود والإنتاج لا قصص الدمار فقط. الصورة أقوى من ألف مذكرة دبلوماسية.

الخلاصة: عقد لا استجداء، فقرار البرلمان الأوروبي الأخير هو “رصيد سياسي” منحه لنا التاريخ. إن لم نستثمره الآن في مشروع اقتصادي عملاق مثل “بوابة العالم”، فسنخسره وسنعود لسنوات أخرى من المواربة والمراوغة.
أوروبا تبحث عن شريك قوي في البحر الأحمر، والسودان يبحث عن شريك صادق في الإعمار. المصلحة موجودة وواضحة. ينقصنا فقط أن نمد أيدينا بعقد لا باستجداء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى