رأي

نحو سودان جديد: رؤى في بناء الدولة التنموية والاقتصاد المنتج  (7)

نعمان يوسف محمد **

إن الطريق إلى رؤية السودان 2040، باعتبارها مشروعاً وطنياً للانتقال من دولة التعافي إلى الدولة التنافسية، يبدأ باستخلاص الدرس الأكبر من هذه الحرب: أن تكون آخر أزمات الماضي وأول دروس المستقبل. فليست المشكلة أن الحرب دمّرت السودان؛ فالحروب، مهما بلغت قسوتها، قد تهدم المدن وتستنزف الاقتصادات، لكنها لا تملك أن تحدد مصير الأمم. فالاختبار الحقيقي للأمم لا يبدأ في ميادين الحرب، بل بعد أن تصمت المدافع، حين يصبح السؤال: هل نعيد بناء ما كان قائماً، أم نبني السودان الذي كان ينبغي أن يكون؟

ذلك هو السؤال الذي ستتحدد إجابته ملامح السودان في عام 2040، ومكانته في عالم لا يكافئ الدول على ما تملكه من موارد، بل على ما تحسن صنعه بها.

لقد أثبت التاريخ أن السلام، في حد ذاته، لا يصنع النهضة. فدول خرجت من حروب مدمرة استطاعت أن تتحول إلى نماذج عالمية في التنمية لأنها غيّرت طريقة التفكير قبل أن تعيد تشييد المباني، بينما بقيت دول أخرى أسيرة الماضي لأنها اكتفت بإصلاح آثار الدمار دون معالجة أسبابه.

واليوم يقف السودان أمام لحظة تاريخية نادرة، ربما تكون الأهم منذ استقلاله؛ لحظة لا يُكتب فيها مستقبل البلاد في ساحات القتال، وإنما في العقول التي سترسم ملامح الدولة القادمة. إنها فرصة للانتقال من إدارة تداعيات الحرب إلى صناعة مستقبل مختلف، ومن إعادة الإعمار إلى إعادة التأسيس.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يقود المرحلة المقبلة ليس هو: كيف نعيد السودان إلى ما كان عليه؟ بل: كيف نبني السودان الذي كان ينبغي أن يكون؟

إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين التعافي والنهضة؛ فالتعافي يعيد القدرة على الوقوف، أما النهضة فتصنع القدرة على المنافسة. والأمم التي تكتفي بالتعافي تبقى رهينة أزماتها، بينما الأمم التي تمتلك رؤية للمستقبل تحول أزماتها إلى نقطة انطلاق.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى رؤية وطنية للسودان حتى عام 2040، لا بوصفها برنامجاً حكومياً مؤقتاً، ولا وثيقة فنية تُحفظ في الأدراج، وإنما باعتبارها عقداً مجتمعياً تتوافق حوله الدولة والقطاع الخاص والجامعات والمجتمع المدني والشباب، ويحدد ملامح الاقتصاد، وأولويات التنمية، وطبيعة الدولة التي نريد بناءها للأجيال القادمة.

من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد القيمة:

لقد دخل العالم مرحلة جديدة لم تعد تُقاس فيها قوة الدول بما تختزنه من موارد طبيعية، بل بما تضيفه من قيمة إلى تلك الموارد. ولم يعد التنافس بين الأمم يدور حول من يملك الأرض أو المعادن أو المياه فحسب، بل حول من يمتلك المعرفة، والابتكار، والمؤسسات الكفؤة، والقدرة على تحويل الموارد إلى منتجات، والبيانات إلى قرارات، والأفكار إلى ثروة.

لقد أصبحت الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأخضر، وسلاسل القيمة العالمية، والاقتصاد الدائري، والابتكار، هي المحركات الجديدة للنمو. ولم يعد السؤال الذي يطرحه العالم: ماذا تملك هذه الدولة؟ بل أصبح: ماذا تستطيع أن تقدم للعالم؟

ومن هنا يمكن تلخيص الفكرة المركزية لهذه الرؤية في حقيقة بسيطة لكنها عميقة:

إن القرن الحادي والعشرين لم يعد قرن الدول الغنية بالموارد، بل قرن الدول الغنية بالقدرة على تحويل الموارد إلى قيمة.. وهذه هي نقطة التحول التي ينبغي أن ينطلق منها السودان.

السودان.. بلد الإمكانات المؤجلة:

قلما تجتمع في دولة واحدة المقومات التي يمتلكها السودان؛ أراضٍ زراعية شاسعة، وموارد مائية كبيرة، وثروة حيوانية ضخمة، واحتياطيات معدنية واعدة، وموقع جغرافي يربط بين إفريقيا والعالم العربي والبحر الأحمر، إضافة إلى قاعدة بشرية شابة تمثل فرصة ديموغرافية إذا أُحسن الاستثمار فيها.

غير أن هذه الموارد، مهما عظمت، لن تتحول إلى ثروة ما لم تُدار بكفاءة، ولن تمنح السودان مكانة تنافسية ما لم تُدمج في اقتصاد منتج قائم على التصنيع، والخدمات الحديثة، وسلاسل القيمة، والابتكار.

لقد علمتنا تجارب دول عديدة أن النهضة لا تبدأ من وفرة الموارد، وإنما من جودة الإدارة. فما حققته دول مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية ورواندا لم يكن نتيجة امتلاكها موارد تفوق غيرها، بل نتيجة امتلاكها رؤية واضحة، ومؤسسات قوية، واستثماراً طويل الأجل في الإنسان.

المبادئ المؤسسة لرؤية السودان 2040:

إذا أردنا أن تتحول الرؤية إلى مشروع وطني قابل للتنفيذ، فإنها ينبغي أن تقوم على مجموعة من المبادئ الحاكمة.

أولاً: الإنسان هو الثروة الأولى

.. فلا اقتصاد تنافسياً دون تعليم نوعي، ولا إنتاجية مرتفعة دون صحة جيدة، ولا ابتكار دون بيئة تشجع البحث العلمي، وريادة الأعمال، وحرية التفكير. إن الاستثمار الحقيقي ليس في المشروعات وحدها، وإنما في بناء الإنسان السوداني، لأنه الأصل الوحيد الذي تتزايد قيمته كلما استثمرنا فيه.

ثانياً: المؤسسات أهم من الموارد .. فقد أثبت التاريخ أن الدول التي امتلكت مؤسسات مستقلة، وكفؤة، وخاضعة للمساءلة استطاعت تعويض نقص الموارد، بينما أخفقت دول غنية بثرواتها لأنها افتقدت الإدارة الرشيدة. ولهذا فإن بناء مؤسسات حديثة ورقمية وشفافة يجب أن يكون المشروع الوطني الأول.

ثالثاً: الإنتاج أساس السيادة الاقتصادية .. فلا استقلال اقتصادي لدولة تستورد غذاءها، ولا تنافسية لدولة تصدر موادها الخام وتستورد المنتجات المصنعة، ولا استقرار مالي لدولة تعتمد على الموارد المؤقتة أو المنح الخارجية. إن السودان بحاجة إلى اقتصاد ينتج المعرفة كما ينتج الغذاء، ويصنع قبل أن يصدّر، ويضيف القيمة قبل أن يبيع الموارد الأولية.

رابعاً: التحول الرقمي هو لغة الدولة الحديثة .. فالبيانات أصبحت مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن النفط أو المعادن. وكلما كانت الدولة أكثر قدرة على إدارة بياناتها، أصبحت أكثر قدرة على إدارة اقتصادها، وتحسين خدماتها، ورفع كفاءة مؤسساتها، وتعزيز الشفافية وصنع القرار.

خامساً: القطاع الخاص شريك التنمية الأول .. فالدولة لا تبني الاقتصاد وحدها، وإنما تبني البيئة التي يستطيع القطاع الخاص أن يبني الاقتصاد داخلها. ولذلك فإن تحسين بيئة الاستثمار، وتبسيط الإجراءات، وتوفير التمويل، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع ريادة الأعمال، تمثل ركائز لا غنى عنها لبناء اقتصاد منتج.

سادساً: الشباب هم مشروع السودان الأكبر .. إن أكبر مشروع قومي بعد الحرب ليس إعادة بناء الطرق والجسور، وإنما إعادة بناء أحلام الشباب، وتأهيلهم بالمعرفة والمهارات والتكنولوجيا، وتمكينهم من قيادة الاقتصاد الجديد. فالأمم لا تنهض حين تستعيد مبانيها فقط، وإنما حين تستعيد ثقة أجيالها في المستقبل.

سابعاً: الاندماج الإقليمي والانفتاح العالمي .. إن الموقع الجغرافي للسودان لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره حدوداً سياسية، وإنما بوصفه منصة اقتصادية تربط بين أسواق إفريقيا والعالم العربي، ومعبراً للتجارة والطاقة والغذاء والخدمات اللوجستية.

ثامناً: الاستدامة ضرورة اقتصادية .. فالمياه، والطاقة، والتربة، والغابات، والمراعي، لم تعد مجرد موارد طبيعية، بل أصبحت عناصر تحدد القدرة التنافسية للدول. ولهذا ينبغي أن يكون الاقتصاد الأخضر جزءاً أصيلاً من رؤية السودان المستقبلية.

من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل:

لقد اعتاد السودان، لعقود طويلة، أن يدير الأزمات أكثر مما يدير التنمية. كانت السياسات تُصاغ لمعالجة العجز، لا لبناء الفائض، ولإطفاء الحرائق، لا لمنع اندلاعها، ولحل مشكلات الحاضر، لا لصناعة فرص المستقبل.

وقد آن الأوان لكسر هذه الحلقة. فنجاح رؤية السودان 2040 لن يُقاس بعدد المشروعات التي تُنفذ، بل بمدى التحول الذي تحدثه في الاقتصاد والمجتمع. وستكون الأسئلة الحقيقية هي:

كم ارتفعت إنتاجية الاقتصاد؟ و كم زادت القيمة المضافة المحلية؟ وكم ارتفعت مساهمة الصناعة والخدمات الحديثة في الناتج المحلي؟ وكم توسعت الصادرات ذات القيمة العالية ؟ وكم انخفضت البطالة، خاصة بين الشباب؟

وكم تحسن ترتيب السودان في مؤشرات الحوكمة، والتنافسية، وسهولة ممارسة الأعمال؟ وكم أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات؟

فهذه المؤشرات، لا حجم الإنفاق وحده، هي التي تعكس نجاح التحول التنموي.

رسالة إلى المستقبل:

لقد سعت هذه السلسلة، منذ بدايتها، إلى رسم ملامح مشروع متكامل لسودان ما بعد الحرب؛ بدأنا بالدولة التنموية، ثم تناولنا اقتصاد سلاسل القيمة، والتحول الرقمي، وإصلاح القطاع المالي، والحوكمة، والاقتصاد المنتج، وصولاً إلى هذه الرؤية الجامعة التي تربط تلك الأفكار في إطار استراتيجي واحد.

ولعل الرسالة الأهم التي حاولت هذه السلسلة ترسيخها هي أن مستقبل السودان لن يتحدد بما خلفته الحرب، بل بما سيختاره السودانيون بعدها من سياسات، وما سيبنونه من مؤسسات، وما سيطلقونه من طاقات بشرية، وما سيغرسونه من ثقافة إنتاج وابتكار.

إن رؤية السودان 2040 ليست حلماً مثالياً، ولا وعداً سياسياً، بل دعوة للانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المزايا التنافسية، ومن استهلاك الموارد إلى إنتاج القيمة، ومن ردود الأفعال إلى التخطيط بعيد المدى.

فالأمم لا تصنع مستقبلها بالصدفة، ولا تبنيه بالموارد وحدها، وإنما حين تتفق على الاتجاه قبل أن تختلف حول التفاصيل، وحين تجعل الإنسان محور التنمية، والمؤسسة أداتها، والإنتاج غايتها، والابتكار ثقافتها، والحوكمة ضمانتها.

إن الأمم لا تُقاس بما خسرته في الحروب، وإنما بما تعلمته منها. فإذا استطاع السودان أن يحول هذه الحرب من كارثة إلى نقطة تحول، فلن يكون عام 2040 مجرد تاريخ على التقويم، بل بداية فصل جديد في قصة وطن قرر أن يكتب مستقبله بنفسه.

وعندها فقط، لن يكون السودان دولة خرجت من حرب، بل دولة خرجت منها أكثر وعياً بذاتها، وأكثر ثقة بإنسانها، وأكثر قدرة على المنافسة، وأكثر استعداداً لصناعة مستقبل يليق بتاريخها وإمكاناتها.

فالمستقبل لا يُورث.. بل يُبنى.

** مصرفي سابق – استشاري التطوير المؤسسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى