رأي

مذكرات مدمن فول

راشد عبد الرحيم 

إن جاز لي أن أصنف نفسي فإني رجل فول ورجل «فولي» منذ نعومة أظافري والحمد لله أن هذا الفول والذي يصدق فيه الوصف أنه طعام الفقراء كأنه من طعام أهل الجنة بل فاكهتها وله منها صفة أنها لا مقطوعة ولا ممنوعة يدوم معنا العام كله ولا يرهقنا ثمنه.

أحمد الله أن تلكم الجائحة ( أنفلونزا الطيور ) التي تصيب أمم الأرض كلها هي مما يصيب الحيوان ومنها هذا الدجاج الذي يتأبي علينا ولا أظننا سنعيش حتى نسمع ب ( أنفلونزا الفول )

أعشق الفول وكنت أتناوله مرتين في اليوم وربما ثلاث ولا تجد أم العيال من عنت إذا صرفها صارف تدريس ومحاضرات أن تضعه أيضا على مائدة الغداء وتنال السكوت وكلمات الرضا.

تقاصر عني الفول بعد أن أصاب مني الأطراف بشئ طفيف وقصرته على العشاء ولا أنام إلا به.

في أيام صبانا الأولى في بري المحس عاش بيننا رجل من أهل ريف مصر يسمى المصري «أحمد حسين» كان له فول مما تضرب له أكباد الإبل كأنما هو حبات فستق لا ينافسه إلا العم والجد مرحوم والد الكابتن المشهور ولاعب

فريق بري والفريق القومي حسبو مرحوم.

وبعد أن بلغنا مبلغا يتيح لنا أن نلم بقلب الخرطوم كان لنا في «أبو العباس والعشرة الكرام» مندوحة وأنس مع فول ليس كمثله من طعام تجد عنده كل الأقوام.

ولم تباعد تطورات الحياة وتطور الخرطوم بين هذا المحبوب فوجدنا على أيامنا هذه مندوحة في «الحريف المصري» على تخوم المنشية وهكذا دوما أهل مصر يبدعون ويبين إبداعهم مع الفول.

كما كنا نجده في مداخل البراري عند مدرسة الرياضيات بجامعة الخرطوم و فول «البرادعي» وعند بابا حسين وإذا دلفنا إلى الخرطوم 2 غشينا الراكوبة أو دلفنا إلى حافظ عند العمارات.

أما سيد طعام المائدة السودانية فشأنه في أمدرمان شأن إذ تجده عند «الجان» والواحة «أبو صهيب» أو عند صالح في حي البوستة و من أشهر محاله أبو صليب في الهجرة و صاحبه يضن به على الزبائن إذا رأى فيهم مقاما لا يناسب مقام الفول و تجد فول الدكتور أبوآدم في بيت المال أو أبودقن في الحارة الخامسة ومثله أيضا سليمان أبو دقن في الختمية ببحري وعندها «أبو الهول» فريد الفريد.

و إذا خرجت من الخرطوم و بلاويها فتمتع به عند أبو ظريفة في مدني الظريفة.

أما في أبو حمد فستكون من المحظوظين إذا دخلتها صباحا ووجدت القدور وقد فتحت كما تتفتح الزهور خاصة إذا أعقبته بكوب شاي ساخن نعناعه يشم قبل أن يذاق.

وحديث الشمالية عن الفول ذو شجون ويكفيها السليم وأهلها سلموا للفول وسلم لهم.

عندنا في السودان من عشاق الفول رجال لهم قصص وحكايات بعضهم إتخذ مجلساً و نادياً عند منزل بشارع الجامعة تقاطع الجمهورية يسمونه نادي الفول و في عهد مضي إذا توجهت منهم شرقا فلا شك أنك واجده في القيادة العامة وتحديدا عند بيت الضيافة حيث يعشقه الرئيس الأسبق عمرحسن أحمد البشير يجلوه بالجبن و زيت السمسم النقي .

ومن أولى مهام الأخ الكريم محي الدين أن يصحب معه في كل رحلة للرئيس زيت السمسم والفول والويكة.

ومن عشقه للفول أنه تناوله قريبا من طيات السحاب في نيويورك حارما مستشاره الصحفي الأخ محجوب فضل من طعام اليانكي واللحم الأمريكي.

أما الصديق الفريق أول صلاح محمد محمد صالح فقد غلبه عشق الفول في بلاد الفرنجة بألمانيا فطلبه سرا إذ خشي أن ينسب إلى غير من يمشي علي رجلين إذ يأكله عندهم من ذوات القوة التي تمشي على أربعة.

وعندي لك خبر الفول أينما حللت ليس في السودان فقط بل في أرض العرب وبلاد الشام ومصر المؤمنة.

في أم الدنيا وعند «الجحش» في السيدة زينب فول لا ينسى سأل صديق لي نادل المحل عن سبب التسمية الغريبة فقال له ستدركها ومعناها بعد الأكل.

و كل أهل السودان يعرفون الدمياطي في باب اللوق وذلك الفخم التابعي الذي تابع العصر والعصرنة والعولمة فإتخذ له موقعا في النت ينشر فيه خبر الفول بعد أن إحتفل بعامه الخامس والعشرين بعد المائة قضاها فوالا يبيع لأمثالنا من عشاق هذا الذهبي المأمون الجميل.

ويالها من ليلة إذا سهرت في العتبة وغشيت الحسين فعند ركن الأزهر رجل وأسرته يقيمون للفول موقعا ملاصقا لسور جامعة ف الأزهر يبيعونه حشوا له زيت كأنه عصيدة «بلح».

و بحر الإسكندرية وروعتها و جمالها لا تكتمل إلا بزيارة لمطعم محمد أحمد و هذا لا تجد عنده موقعا إلا بحجز مسبق و قد زاره العظماء من أهل الفن و الرواية من لدن نجيب محفوظ إلى ملكات أوربيات مثل الملكة صوفيا تجد خبرهن و أخبارهم في أوراق ينثرها لك مع طلباتك المجابة و من عشاقه في السودان المرحوم الأستاذ سيد أحمد خليفة له الرحمة و المغفرة .

و في الأردن ليس العلاج كله محاقن ومستشفيات فقد تجد صحة و عافية إذا زرت «الكلخة» و تمتعت بجمالها في منطقة الرابية الجميلة فعند ركنها فول لا بد من تذوقه وآية الجمال في ذلكم المطعم الفخم بطوابقه المتعددة «مطعم أبو جبارة» الذي لا يقدم فيه غير الفول وملحقاته و حتى رغيفه المميز يخبز في ذات المكان وتناله حارا دافئا لذيذا مفيدا.

و إذا اردت التسوق في الشام و إجتزت الحدود إلى دمشق فلا ينسيك حسنها وحسناوتها أن تسأل عن حي عتيق يسمى «الشيخ يوسف» فعنده تجتمع محلات الفول كما لا تجتمع محلات على صعيد واحد وفي حي واحد ذاك أجمل وأحلى من فول المطاعم الراقية المزينة من مثل مطعمي (الكمال ) و ( كمال ) وسط المدينة.

وإذا كنت في دوحة العرب فدونك مطعم بيروت حيث يزينونه بفلافل مثل حلى النساء لمعة و نضارة.

هذا و إذا أردت أن تفعل و تحسن من مجرى الدم فيك فليس من بديل أفضل و أنجع من أن تصب عليه قطرات من زيت سمسم نقي و ياحبذا لوكان من زيت الولد من واحدة من خبايا أمدرمان.

وإذا جبنت من أثر ملح و قللت من الجبن فإن الطعمية تقوم مقامه وإذا طلبتها من لذيذ الرياض فإنها تسر النظر قبل اللسان وإذا غشيت أمدرمان فإن خلف سوق الموردة إمرأة لها منها طراز مما يستحسن تناوله ليلة الخميس إذا توافر لها المطلوب.

هذه وصفة مأمونة لا يأتيها فيروس ولا يخرج منها كلسترول وتقطع الأمل في دجاج الولاة السابقين واللاحقين ويكفي أنها تجعلك في زمرة الفقراء والمساكين ويالها من صحبة تجمعك بخير البشر عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى