هندرة التعليم العالي في السودان…. البحوث والتنمية نموذجاً (2-3)

د. أحمد عبد الباقي
أخذ الشكل الجديد للجامعات في القرن التاسع عشر في التطور تأسياً بالنموذج الألماني الذي نشأت على غراره جامعات حديثة في أوربا وأمريكا وبقية دول العالم، حتى وصلنا للشكل الحديث للتعليم العالي الذي تعتبر أَسَهِ الجامعات في القرن الحادي والعشرين، صنفت هذه الجامعات وفقا لتصنيف مؤسسة
(The Carnegie Classification of Institutions of Higher Education)
وهي مؤسسة تضطلع بتصنيف مؤسسات التعليم العالي في أمريكا منذ عام 1973م، ويجدد كل ثلاث سنوات آخرها تصنيف عام 2025م، صُنِّفَتْ بموجبه الجامعات إلى عدة تصنيفات على النحو الآتي:
(أ) الدرجات العلمية التي تمنحها (دكتوراه، ماجستير، بكالوريوس وديبلومات) وهذا تحت ستة أنواع،
(ب) البرامج الدراسية المختلطة، وفيه ثلاثة أنواع: الكليات المتخصصة في مجال أكاديمي بعينه، الكليات ذات التوجه الصناعي أو المهني، أو البرامج المختلطة بحيث تخرج الجامعة أكثر من 50% من حملة درجاتها العالمية في مجال أكاديمي بعينه،
(ت) حجم المؤسسة وعدد الطلاب فيها.
تمشيا مع ذلك التنظيم والحوكمة وضعت لمؤسسات التعليم العالي أهداف متعددة ومتنوعة نشأت على غرارها -مع بعض الاختلافات- معظم جامعات العالم، يمكن إجمال أهداف الجامعات في ثلاث وظائف رئيسة وهي:
(1) إعداد القوى البشرية: وهي من أھم الوظائف التي ارتبطت بالتعليم الجامعي منذ نشأته من خلال إعداد الكوادر المطلوبة، والتي ستشغل الوظائـف العلمية والتقنية والمهنية والإدارية ذات المستوى العـالي وتهيئتها للاضطلاع بمهمات القيادة الفكرية في مختلف النشاطات من أجل تقديم الاستشارات والمساهمة بناء شخصيات القيادات.
(2) التنشيط الثقافي والفكري العام: يعتبر نشر العلم والثقافة من رسالة الجامعة، التي تعد بمثابة مركز للإشعاع الفكري والمعرفي وتنمية الملكات والمھارات العلمية والمهنية، والتي تمثل الحجر الأساسي لعمليات التنمية الوطنية، للجامعة دور كبير في تقدم المعرفة، وتشجيع القيم الأخلاقية والنهوض بالمجتمع، كما أنھا وعاء مناط به الحفاظ على هوية المجتمع ومؤامتها لتحديات المستقبل.
(3) البحث العلمي (تطوير المعرفة): يعتبر البحث العلمي أحد أهم الوظائف الثلاث التي يستند إليها التعليم الجامعي في مفھومھ المعاصر، المتوقع من الجـــامعة أن تصنع المعرفة والاختراعات المطلوبة، والاضطلاع بالبحث والتعمق العلمي للإسهام في تقدم المعرفة الإنسانية والاستفادة منها خدمةً للإنسان والمجتمع بتشخيص المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وإيجاد الحلول العلمية المناسبة لتطوير الحياة في مجتمعات ھذه المؤسسات، لذا لا يمكن أن توجد جامعة بالمعنى الحقيقي، إذا ما ھي أھملت البحث العلمي.
بما أن أهداف مؤسسات التعليم العالي متعددة وواسعة المضمار، ركزت هذه المساهمة على البحوث والتنمية أو ما يعرف بـ Research and Development
التي تعد من أهم أهداف الجامعات، ولما لها من أثر فعال في إثراء الحياة العلمية بإنتاج البحوث التي يستفاد من مخرجاتها في ابتكارات جديدة تتنج عنها منتجات أو صناعات جديدة أو خدمات ذات جدوى تجارية، وتساهم في ترقية حياة المجتمع. فما هي البحوث والتنمية؟
البحوث والتنمية:
يشكل البحث العلمي أهمية كبيرة جدا بالنسبة إلى الباحث، وإلى المجتمع على حد سواء. فهو يزيد في خبرة الباحث، وفي معرفته ويساعده على فهم الواقع المحيط، ويمنحه القدرة على تحليل الظواهر الطبيعية وغير الطبيعية، وعلى التوصل إلى حقائق جديدة ومفيدة عن طريق المنهج العلمي الذي يتعلمه والاطلاع على المصادر والكتب والمنتجات العلمية في مجال التخصص المنوط به. ولا شك في أن البحث العلمي هو الأداة التي مّكنت الإنسان من اختراع الآلة التي كانت السبب في الانتقال من مجتمعات زراعية إلى مجتمعات صناعية. كما لعب تطور المعارف العلمية والتكنولوجية اليوم دورا كبيرا في نقل المجتمعات الصناعية إلى عصر الثورة الرقمية حيث أصبحت المعلومات والخدمات والسلع متجددة، وتنتقل بسرعة فائقة متجاوزة الحدود وفوارق الوقت بين الشعوب. ومع ثورة المعلومات والنقلة النوعية في أسلوب حياة البشر وزيادة احتياجاتهم في عصرنا الحاضر، صار البحث العلمي ضرورة ملحة لأمن المجتمعات؛ في مجالات الأمن المجتمعي، الرعاية الصحية، الغذاء والحفاظ على البيئة وأمن الطاقة الخ…..
صار مصطلح البحوث والتنمية من أبرز المصطلحات المتداولة اليوم في أوساط البحث العلمي في القرن الحادي والعشرين، وتعرفه منظمة التعاون والتنمية الاقتصادي
Organization for Economic Co-operation and Development (OCDE)
على أنه: الأنشطة الإبداعية والمنهجية التي تهدف إلى زيادة مخزون المعرفة بما في ذلك معرفة الإنسان والثقافة والمجتمع. واستخدام ذلك المخزون للحصول في تطبيقات جديدة تنتج عنها منتجات صناعية أو خدمية تقود إلى تنمية المجتمع وحل ما يجابهه من إشكالات، ووفقا لدائرة المعارف البريطانية، فإن مصطلح البحوث والتنمية ظهر في بداية القرن العشرين، ويقصد به بداية الإنتاج الصناعي وعمليات الابتكار التي نجمت عنها منتجات جديدة، ثم جيء بعده بالمعامل والمختبرات وإنتاج النماذج الصناعية ثم عمليات التسويق. هذا وأن كل الاختراعات والابتكارات، تأتي من البحوث التي يمكن أن تكون أساسية، أو تطبيقية أو بحوث الابتكار، وفي منتصف القرن العشرين صُنِّفت البحوث العلمية على أساس: البحث الأساسي الذي يتعلق باكتشاف المعارف أو استكشاف كنه التكنلوجيا، والذي يمكن أيضا يسخر للتعاطي مع مشكلة بعينها، والبحث التطبيقي الذي يستغل مخرجات البحث الأساسي لمجابهة حاجيات معينة في مجتمع ما، بينما يركز البحث والتنمية على الحصول على منتجات جديدة أو تعديل القديمة أو خدمة اجتماعية تسهل حياة المجتمع، لذلك أصبحت البحوث والتنمية في أمريكا واليابان وأوربا جزءاً من التخطيط الاقتصادي للحكومات والقطاع الخاص، وعليه البحوث والتنمية يضطلع بها القطاع العام والقطاع الخاص، ولأهميتها أنشأت الحكومات مراكز للبحوث والتنمية خدمة لأغراض المجتمع وترقية حياته بصورة أفضل، واتخذت الحكومات الجامعات البحثية، وصرفت عليها من ميزانية الدولة وبالتعاون مع القطاع الخاص وبعض الجهات الخارجية لتسهم هذه الجامعات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحديدا تبني يعرف بـ “اقتصاد المعرفة” المستند على البحث العلمي، ولتحقيق أهداف البحوث والتنمية لجأت العديد من الدول على مستوى أمريكا وأوربا وآسيا والعالم العربي لتبني مهم الجامعات البحثية. فما هي الجامعات البحثية؟
الجامعة البحثية:
هي جامعة يعمل جميع أعضاء هيئتها العلمية في البحث العلمي كاهتمام أول ومستديم، وليس كمجرد وسيلة للحصول على المراكز الأكاديمية والترقيات. تحتشد مثل تلك الجامعات بأفضل الباحثين العلميين؛ مما يمنح طلابها فرصة الاستفادة من خبرات هؤلاء الأساتذة، نشأ المفهوم في ألمانيا في القرن التاسع عشر، ووصل إلى ذروة تطوره ونجاحه في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان، تمحور المفهوم حول ثلاثة مبادئ تأسيسية هي: تكامل التدريس مع البحث، والحرية الأكاديمية، والنظر إلى طبيعة البحث العلمي باعتباره ذا نهاية مفتوحة ولا نهائية. تركز الجامعات البحثية على البحث العلمي عبر برامج الدراسات العليا والاهتمام بالبحث التطبيقي الذي يخدم الصناعة، كما أن الجامعات البحثية تتميز بمجموعة من السمات وهي: الحكومة الرشيدة للتعليم، وجذب المواهب وتركيزها وتوفير التمويل، جودة البحث العلمي وجودة الخريجين ونقل التقانة وتوطينها. ولمزيد من الإيضاح نشرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD”. تقريرا حددت فيه ست صفات رئيسية للجامعة البحثية وهي: أن تضطلع الجامعة ببحوث أساسية وبحوث تطبيقية؛ وأن يكون التدريس فيها مبنيا على البحث العلمي؛ وأن تتمتع بنظام أكاديمي مُتكامل؛ وأن يكون لديها نسبة مرتفعة من برامج الدراسات العليا ذات الطابع البحثي؛ وأن تأتي نسبة مرتفعة من دخلها من مصادر خارجية؛ وأن تتمتع ببُعدٍ دولي، وفقا لهذا التعريف، فإن الجامعة البحثية لا تهتم فقط بالبحوث التطبيقية ذات الفوائد المباشرة، بل تهتم أيضاً بالبحوث الأساسية التي تُسهم في زيادة المعارف الإنسانية. بعد هذا الشرح المستفيض عن البحوث والتنمية وأهمية الجامعات البحثية في ريادة مجال البحوث والتنمية، دعونا نعيد القراءة على واقع البحث العلمي في السودان على ضوء ما تناولناه في الشرح السابق.
البحث العلمي في السودان:
ترجع بداية البحث العلمي في السودان إلى أنشأ البريطانيين لمركز أبحاث القطن بمشروع الجزيرة في العام 1904م، وأنشئ بعده مركز بحثي آخر تحت مسمى معمل الأبحاث البيطرية، ثم تلي ذلك إنشاء محطة البحوث الزراعية والطبية ً لمعمل إستاك ومنذ ذلك الوقت ومرورا بفترة الاستقلال وحتى بداية الألفية الثالثة لم يكن الاهتمام بالأبحاث العلمية بصورة كبيرة، نسبة لتركيز الفئات الحاكمة وقتئذ على المشاكل السياسية ومشكلات الحكم وتكوين مناصب الدولة القطرية، كان التفكير في البحث العلمي يعد ضربا من الرفاهية. وكان جل التركيز على قضايا الحكم والسياسة؛ دون الاكتراث حتى لأهمية البحث العلمي في تذليل عقبات الحكم والسياسة على نحو يضئ الطريق للتفكير في تقدم ورفاهية المجتمع على السوداني نحو علمي مدروس.



