الجـِوار غيـر الآمـِن

د. إيناس محمد أحمد
حسن الجوار ليس حدوداً ترسم علي الخرائط ويُتفق عليها ، وليس شعارات تطلق دبلوماسياً ويُحتفل بها ، وليس اتفاقاً يُوقع بين طرفين ، حسن الجوار مسؤولية أخلاقية ومبادئ إنسانية وتعاون مشترك ومصالح متبادلة وتنمية مستدامة.
في القانون الدولي يتكون مبدأ حسن الجوار من مبدأين أساسيين أولهما أنه ينبغي على الدولة أن تمتنع عن مباشرة أي عمل فوق إقليمها يترتب عليه الإضرار بمصالح الدول المجاورة لها ، والمبدأ الثاني ، أن تتخذ الدولة جميع الاحتياطات الضرورية فوق إقليمها وامتناعها عن القيام بأي أنشطة تحدث آثار ضارة بإقليم ومنشآت الدولة المجاورة .
مبدأ حسن الجوار هو أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي وأبرز مبادئ العلاقات الدولية ، ويرتكز على إرث وتاريخ دولي قديم ومتجذر، أضفت أعراف الشعوب عليه الكثير من الثبات حتى أصبح أكثر مبدأ متفق عليه دولياً.
تاريخياً، (سياسة حسن الجوار) ك مصطلح (سياسي) استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية في تبرير تورطها في الثورة المكسيكية واحتلال هايتي في الفترة بين (1915 – 1934م) كان المبدأ يقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة دول أمريكا اللاتينية ، وسعت الولايات المتحدة الأمريكية لتثبيت أنها ستكون (جارة جيدة) ، لكن كان من وراء هذة الفكرة سعي أمريكا لإنشاء علاقات تجارية مع دول أمريكا اللاتينية وخلق فرص تجارية تعيد نفوذها بشكل مختلف عما كانت عليه ، لكن دول أمريكا اللاتينية كانت تعرف المخطط ولم تتجاوب مع السياسات الأمريكية !! هذة صورة حفظها تاريخ العلاقات الدولية من صور حسن الجوار رغم ما بها معطيات متناقضة .
ثم ورد مبدأ حسن الجوار في ميثاق الأمم المتحدة وهو أحد الضمانات الدولية لتحقيق السلام والأمن الدوليين في ظل عالم تشتعل زواياه بين حين وآخر .
يفتخر السودان بأنه ظل محافظاً على جوار هادئ ومستقر وبذل في تحقيق ذلك الكثير من أوجه التعاون المشترك والعمل الإقليمي الجاد وبناء علاقات أخوية ثقافياً واقتصادياً، لكن من المؤسف ألا تراعي بعض دول جواره حق الجوار والتاريخ المشترك وروابط الدم والتداخل القبلي خاصة في فترة من أصعب الفترات التي يمر بها السودان.
الحرب في السودان لم تُظهر معادن البشر فقط بل أظهرت المواقف الحقيقية (لحكومات بعض دول الجوار) ، والتي جعلت أراضيها ساحة مفتوحة للعبث باستقرار وأمن السودان وانتهاك حسن الجوار، وسمحت بانطلاق المسيرات واستهداف المدنيين واستهداف الأعيان المدنية ، هذا السلوك لا يمكن تفسيره إلا أنه اصطفاف مع خط العدو وتنفيذ أجندة المليشيا الإرهابية ضد شعب حمل المودة والوفاء لجيرانه ورحب بهم وكانت أياديه بيضاء عليهم ، و تجاه أرض طيبة كانوا يستجيرون بها فترحب بهم وتستقبلهم بخيرها وكثير عطائها وتمنحهم الأمان والسلام الذي فقدوه في بلادهم.
سعى السودان نحو اتفاقيات إقليمية أسست قوات مشتركة تسهم في توطيد السلام و الأمن وبناء روابط مشتركة ومصالح اقتصادية تسهل حركة البشر وتسهل انسياب السلع والخدمات وتبادل المعلومات بين دول الجوار ، فكانت سياسة السودان مع جيرانه تقوم علي التكامل والدمج بين التدابير الأمنية والتكامل الاقتصادي والانسجام الثقافي والتنمية الاقتصادية والاستثمارات البناءة للموارد الطبيعية المشتركة وفتح قنوات حوار مشترك مع كل دول جوار سعي السودان لبناء علاقات دبلوماسية متميزة معهم .
لكن ما حدث من عدوان إماراتي إثيوبي بالمسيرات على مطار الخرطوم الدولي ، نهار يوم الأثنين 4 مايو 2026م، هدما لمبدأ حسن الجوار أولا ، وهو اعتداء علي منشأة مدنية ويشكل انتهاكاً للقانون الدولي الانساني (قاعدة 10) التي تحمي الأعيان المدنية بما فيها المطارات المدنية ما لم تكن أهدافا عسكرية.
وكذلك مخالفاً لاتفاقية شيكاغو 1944م التي أرست حجر الأساس لحماية المطارات والمنشأت الجوية في مادتها (3 مكرر) ؛ واتفاقية لاهاي لعام 1970م التي تمنع الأعمال غير المشروعة وتهدد أمن المطارات.
و اتفاقية مونتريال لعام1971م والتي أحدثت نقلة نوعية في نطاق الحماية، ونصت على تجريم أي فعل تخريبي يهدد سلامة الطيران المدني، واعتبرت الهجمات علي المطارات أو الأفعال التي تعرض المدنيين العاملين فيها للخطر جرائم دولية تستوجب ملاحقة ومعاقبة مرتكبيها ، ثم وسعت اتفاقية مونتريال لعام 2014م من نطاق الحماية لتشمل منشأت الملاحة الجوية وأجهزة الاتصالات والرادارات باعتبارها مرتكزات سلامة حركة الطيران ، واعتبرت الاتفاقية أي عمل عدائي يستهدف هذة المنشآت اعتداءً علي النظام الجوي الدولي ، ويدرج ضمن (الجرائم الإرهابية) التي تستوجب الردع الدولي .
في المقابل جاء بروتوكول بكين لعام 2010م ليشدد على أن أي اعتداء على البنى التحتية بما فيها المطارات ومنشآت الملاحة الدولية يعد فعلاً إجراميا يهدد السلم والأمن الدوليين.
ثم جاء الملحق 17 المتعلق بأمن الطيران المدني وحمايته من الإرهاب والأعمال التخريبية عبر تدابير متكاملة.
خلاصة الأمر أن أي استهداف لمطار مدني أو منشأة ملاحة جوية هو انتهاك للقانون الدولي ويشكل (جريمة حرب) ، ويرتب المسؤولية الجنائية الفردية والدولية على مرتكب الاعتداء ومَن موله ومَن شارك فيه ، صوناً لأمن الطيران المدني الدولي وسلامته.
الهجمات عبر المسيرات المنطلقة من إثيوبيا لم تكن الأولى، فقد سبقتها هجمات مشابهة استهدفت ولايات شمال وجنوب كردفان والنيل الأزرق من قبل.
علي الصعيد الوطني وفي تطور دبلوماسي واضح استدعت الخارجية السودانية سفيرنا لدى إثيوبيا للتشاور، في خطوة تعكس حجم التوتر بين البلدين مع التأكيد علي تمسك الحكومة السودانية بحقها الكامل في الرد وفق القوانين الدولية .
إثيوبيا لن تستفيد شيئاً من عداء السودان ولن يرحمها التاريخ حين يسجل مواقفها ، ولن يترك السودان حقه.



