رأي

جار للبيع .. في رحيل بن عمي التركي “أحمد أوزديل”

علاء الدين يوسف

يحكى أن أحدهم، وكان رقيق حال، قرر بيع منزله المتواضع وطلب قيمة إستكثرها الشاري الذي حاول أن ينتقص من قيمته، وهو يستنكر القيمة المطلوبة على المباني، فقال له البائع، ما معناه أن نصف القيمة للدار ونصفها الآخر للجار، فقد كان جارا حسن الجوار.

أتذكر هذه القصة وصديقي العراقي (طه العنزي) والذي كانت بيني وبينه زيارات متبادلة يعلم كل منا جيران الآخر، فكان دوما يقول لي (ياخي بكم تبيع لي جارك)؟
وجاري هذا هو التركي (أحمد أوزديل) .. أحمد الذي ما كان يناديني إلا بـ
amcaoğlu آمجولو

وتعني (بن عمي) ويشهد الله إنه جسد هذه الكلمة قولا وفعلا طيلة علاقتنا التي تجاوزت الأربع سنوات، ما رأيت منه فيها إلا كل حب وتقدير وبذل وعطاء لا محدود.

كان أحمد رفيقي في كل مشاويري بالمدينة ومساعدي في قضاء حوائجي ينوب عني في التصدي لكل أمر مهما صغر أو عظم، كنت إن مرض فرد من العائلة أجده الرفيق والمترجم في المستشفى، وعند سفري يوصلني بسيارته للمطار، وأجده في انتظاري حين عودتي، ولا أزال أذكر في إحدى رحلات عودتي من السودان، إتصل علي قبلها بيوم مستفسرا عن موعد هبوط الطائرة، فأخبرته أنها ستهبط في حوالي الثانية عشر ونصف، وظننته سيُقدِّر زمن تخليص الإجراءات واستلام الحقائب، والذي لن يقل عن الساعة بأي حال، وبالفعل خرجت من الصالة حوالي الواحدة والنصف، لأجده في إنتظاري بذات ابتسامته المعهودة وضحكته المجلجلة ويفاجئني بأنه كان ينتظر منذ الثانية عشر خارج الصالة.

في وفاة بن البرهان (رحمه الله) إتصل علي بعد أن علم بالخبر الذي انتشر في وسائل الإعلام التركية، وأكدته له وأخبرته أني سأذهب للمقابر رفقة بعض أبناء جلدتي، لحضور مراسم التشييع، فأصر على أن يرافقنا، وذهبنا بسيارته وبصحبتنا بعض الأصدقاء السودانيين للمشاركة في مراسم التشييع، وكان يقول لهم وهو معنا بسيارته (الفان) وهو يبتسم ويشير لي “هذا بن عمي”.

لا أزال أتذكر يوم جاءني جار آخر يوقف سيارته قرب سيارتي في مرآب البناية ليخبرني أن مادة سائلة على الأرض تحت سيارتي ولا يعلم إن كانت زيتا من الماكينة أم ماء، سمع (بن عمي أحمد) نقاشنا وجاءنا مسرعا يتساءل عن المشكلة فلما علم قال لي يوم الأحد نصلحها بإذن الله، أي في عطلة نهاية الأسبوع، ومضيا كل إلى حال سبيله.

حل يوم الأحد بعد يومين تقريبا من نقاشنا هذا، فإذا بأحمد وجاري الآخر يطرقان بابي صباحا ويطلبا أن أُخرج السيارة من المرآب تحت البناية إلى الخارج أمامها.

وظننت أنهم على أحسن الفروض سيرافقانني لأقرب ورشة لصيانة السيارات، أو يساعدانني في إحضار ميكانيكي لإصلاح المشكلة.

فأتفاجأ بهما يحضران حقائب معداتهما كل من سيارته ويقومان بإصلاح سيارتي وأنا أقف متفرجا لا أملك من أمري شيئا غير الفرجة.

كانت زوجة أحمد (بن عمي) السيدة الطيبة البشوشة الكريمة (أمينة خانم) ولا تزال خير صديقة لزوجتي، تعاملها بلطف ومحبة وتقدير، كثيرا ما كانتا تتبادلان بعض المأكولات وكانت “أمينة خانم” كلما ذهبوا لقريتهم خارج “أنقرة” تعود إلينا وهي محملة بخيرات قريتها من فواكه ومأكولات تركية قروية.

الشهر الماضي عدت من السودان وأنا مريض بحمى الضنك والتايفويد وكنت لوحدي في الشقة، وكان (بن عمي) أحمد، على سرير المرض، عقب عملية أجراها وخرج بكامل صحته إلا أنه لم يلتزم بالراحة التي لا يركن لها مطلقا فهو دائم الحركة، ما أحدث له مضاعفات عقب العملية ليلزم سرير المرض مجبرا هذه المرة.

رأتني زوجته (أمينة خانم) فجاءت وطرقت بابي وسألتني لماذا لم أزرهم عقب عودتي، فأخبرتها أني مريض جدا، فتمنت لي الشفاء والعافية وذهبت لتعود بعد دقائق وهي تحمل لي برتقالا قالت لي إنه من القرية كل منه لتتعافى.

كان أحمد بن عمي قوي البنية نشيطا لا تجده إلا وهو يعمل، إما في سيارته أو في الدراجة البخارية رباعية العجلات (دباب) التي كان يستخدمها في المشاوير القريبة، كنت أعتقد أنه سيتجاوز هذه المحنة ويتغلب على المرض، لما عرفته عنه من حيوية ولياقة بدنية يتمتع بها أحمد.

فسافرت لخارج تركيا وأنا موقن من أنه سيتجاوز هذه الكبوة، وسيعود قويا كما كان وسيستقبلني في المطار عند عودتي بعد أن حرمني مرضه من رفقته المأمونة لي عند كل رحلة سفر.

فإذا بأحد جيراني يرسل لي رسالة على واتساب يخبرني فيها برحيل بن عمي أحمد عن هذه الفانية ووداعه لها ولي إلى الأبد، رحل بن عمي أحمد ولا أدري كيف هو حال (أمينة خانم) رفيقة عمره من بعده، وإبنه محمود وإبنته وأحفاده الذين ما كانوا ينقطعون عن زيارته يوما.

رحل أحمد بن عمي وترك في قلبي لوعة وحسرة وحزن مقيم، رحل جاري وصديقي الصدوق ورفيقي في غربتي، رحل بن عمي التركي أحمد أوزديل.

رحل الجار فكم بعده تسوى الدار!؟

إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمك الله يا أحمد يا بن عمي وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، فاللهم صبرا .. اللهم صبرا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى