تقارير

من التوثيق للإدانة… كيف يمهد تقرير “الجنائية” لتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية

القاهرة- المحقق- صباح موسى
إدانة قانونية دولية جديدة لمليشيا الدعم السريع وتوصيف ما ارتكبته بجرائم حرب جماعية وجرائم ضد الإنسانية في دارفور؛ فما أعلنته المحكمة الجنائية الدولية أمس في تقريرها نصف السنوي أمام مجلس الأمن قد يؤسس لمرحلة جديدة تنتقل فيها الانتهاكات من خانة الانفلات الأمني إلى مسؤولية جنائية محددة لطرف وحيد معلوم.
إحاطة الجنائية
في إحاطة رسمية أمام مجلس الأمن أمس “الإثنين”، أكدت نائب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، نزهت شميم خان، أن مكتب المدعي العام يعتبر أن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في دارفور، لا سيّما في مدينة الفاشر خلال سيطرة قوات الدعم السريع في أكتوبر الماضي، استناداً إلى الأدلة التي تم جمعها من صور وأشرطة وتحقيقات ميدانية، مشيرة إلى أن الانتهاكات في الفاشر شملت أعمال تعذيب وإعدام واغتصاب واحتجاز تعسفي تستهدف بشكل منهجي مجموعات مدنية معينة، وأن هناك حالات احتفال بالإعدامات وإهانة الجثث من قبل بعض عناصر الدعم السريع، بالإضافة إلى استخدام العنف الجنسي كأداة حرب، موضحة أن أعمال العنف لم تكن منعزلة، بل تُظهر نمطاً من الجرائم المنظمة تتكرر من مدينة إلى أخرى في دارفور، مما يعكس عمق المخاطر التي تواجه المدنيين في المنطقة، وحثّت السلطات السودانية والمجتمع الدولي على العمل الجاد نحو المساءلة، مع التأكيد على أن التحقيقات ستستمر لتجميع المزيد من الأدلة وإمكانية اتخاذ إجراءات قانونية لاحقة على أعلى المستويات.
نقطة تحول
لم يأتِ ما أعلنته الجنائية الدولية أمس بوصفه إدانة أخلاقية عابرة، بل كنقطة تحوّل قانونية وسياسية في مسار الحرب في السودان، فحديث الادعاء عن ارتكاب الدعم السريع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ووجود مقابر جماعية في الجنينة والفاشر، لا يعيد فقط استحضار ذاكرة الإبادة في دارفور، بل يؤسس لمرحلة جديدة، وتأتي الخطورة في هذا الإعلان أنه يكشف نمطاً ممنهجاً للعنف القائم على الاستهداف العرقي والتطهير السكاني، في سياق صراع لم يعد محصوراً في مواجهة عسكرية، بل تحوّل إلى حرب ضد المدنيين تُرتكب فيها الجرائم تحت سمع وبصر المجتمع الدولي، وبينما تتكدس الأدلة وتُنبش المقابر، يبرز السؤال الأهم والأساسي: هل يشكل هذا التطور بداية مسار حقيقي للمساءلة، أم أنه مجرد تسجيل جديد في أرشيف إفلاتٍ طال أمده ليس في دارفور وحدها بل في السودان كله؟ وهل هو بداية لتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية؟
صمت العالم
من جانبه أوضح وزير العدل الدكتور عبد الله درف أن الحكومة السودانية ظلت منذ أبريل 2023 تنبه المجتمع الدولي لجرائم مليشيا الدعم السريع الممنهجة في السودان كله.
وقال درف لـ “المحقق” إن المليشيا ارتكبت الجرائم بنمط واحد في الجزيرة ومختلف قراها وانتقلت بهذه الجرائم إلى الجنينة، وإنها كانت تدفن الشباب أحياء، مضيفاً: استمرت هذه المليشيا في هذه الجرائم نتيجة لصمت المجتمع الدولي، واستمرت في حصار الفاشر لأكثر من 550 يوماً، ولم يستطع مجلس الأمن تنفيذ قراره بفك الحصار عن المدينة.
وتابع: كل هذه الأدلة في مواجهة المليشيا والتي تثبتها مجموعة من التقارير الدولية أرسلناها للمجتمع الدولي، مشيراً في هذا الصدد إلى تقرير لجنة الخبراء بمجلس الأمن وإلى التقارير التي رصدتها المنظمات الدولية، وقال إنه كانت هناك بيانات وجرائم واضحة، ولكن الرسالة الرادعة لم تصل واستمرت المليشيا في الجرائم المتنوعة والممنهجة، مضيفاً أن التقرير حوى مسائل كانت معلومة لكل العالم وكل أهل السودان، لكن تأخر اتخاذ قرار واضح بتصنيف المليشيا منظمة إرهابية، وعدم إرسال رسائل واضحة لكل من دعم وساهم في معاناة الشعب السوداني، معرباً عن أمله في أن يأخذ مجلس الأمن هذه الرسالة مأخذ الجد بتصنيف الدعم السريع مليشيا إرهابية، وقال إن أقصر طريق لإيقاف هذه الجرائم البشعة هو إيقاف الدول الداعمة -وعلى رأسها حكومة أبوظبي- للمليشيا.
الاشتراطات متوفرة
وأكد درف أن كل الاشتراطات والتوصيف القانوني التي تستوجب تصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية توفرت، وأنه يتبقى فقط إرادة المجتمع الدولي، موضحاً أن التقرير جاء نتيجة قرار الإحالة من مجلس الأمن وهو بخصوص دارفور فقط، وقال إن التقرير حوى مجموعة من البيانات تصلح لتقديمها للجنائية الدولية والسودان ليس عضواً فيها، لكن المحكمة تستطيع أن تصدر مذكرات قبض لقيادات المليشيا وتقديمهم للمحاكمة، مبيناً أن السودان متعاون مع كل آليات حقوق الإنسان في العالم، ويتبادل معها المعلومات بما يحقق تنسيق مبادئ حقوق الإنسان، وقال: نتعاون على مستوى مجلس حقوق الإنسان والمجلس القطري له، وأن هناك اتفاقية مبرمة مع هذا المجلس، ونتعاون أيضاً مع الخبير المعين لحقوق الإنسان، مشيراً إلى زيارة المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى البلاد مؤخراً، وقال إن هذه الزيارة كانت رسالة تضامنية للشعب السوداني في ظل الانتهاكات المروعة التي ترتكبها المليشيا، مضيفاً أنها جاءت بعد أن دخلت هذه الانتهاكات فصلاً بشعاً في الفاشر، مشيداً بتصريحات تورك في جلسة حقوق الإنسان عندما أكد بأنها حرب وكالة من أجل الموارد، مؤكداً أن هذا توصيف دقيق للحرب في السودان.
وقال: أرسلنا هذه الإشادة للمفوض السامي، مشيراً إلى زيارة المفوض السامي للدبة واستماعه إلى شهادات النازحين فيها، وقال إن هذه الشهادات ستكون دافعاً قوياً ليقدم تقريره، متوقعاً أن يقدم تقريراً قوياً حول هذا الأمر، موجهاً رسالة للمجتمع الدولي بأن يكون حاسماً في الإجراءات التي يجب أن تُتخذ ضد المليشيا وتصنيفها منظمة إرهابية، وقال: نعمل في السودان فيما يلي حقوق الإنسان وحماية المدنيين، ونسعى للتعاون مع المجتمع الدولي لحماية المواطنين.
تقرير جزئي
من جهته أكد الخبير السوداني في القانون الدولي الدكتور محمد زين أن التقرير قانوني صادر من الجنائية الدولية، وأنه جيد ومقبول ويساعد في دعم كل الجهات التي ترغب في اللجوء إلى المؤسسات العدلية الدولية الأخرى. وقال زين لـ “المحقق” إن هذا التقرير الغرض منه الوفاء بالتزامات المحكمة بموجب القرار 1593 الصادر في 2005 الخاص بإحالة ملف دارفور وجرائم الحرب آنذاك إلى مجلس الأمن، مضيفاً أن أهمية هذا التقرير أنه يكمل جهداً تبذله الجنائية في إطار التزاماتها، وبما فيه محاكمة علي كوشيب وإدانته بالسجن 20 عاماً، مشيراً إلى أن التقرير مازال داخل دارفور، وإلى ما ذكرته نائب المدعي العام للجنائية نزهت خان بأن دارفور تتعرض لتعذيب جماعي، وقال إنها مازالت تتحدث عن دارفور وسقوط الفاشر، وربطت سقوطها بالجرائم التي ارتكبت بها كالتي ارتكبت في الجنينة عام 2023، وأن هذا الإجرام يتكرر من مدينة إلى أخرى وسيستمر هذا الوضع حتى يتوقف هذا الصراع وشعور الإفلات من العقاب الذي يغذيه، مضيفاً أن ذلك يشير إلى أنها مازالت تتحدث عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في دارفور، ولم تتحدث عن خارج إطار دارفور، معتبراً أن هذا التقرير جزئي فيما يلي التكليف، وأن هذا يجعل من الأهمية طرح السؤال: إلى أي مدى يمكن للتكليف بموجب القرار 1593 أن يتحول على مستوى كل السودان، باعتبار أن هناك جرائم حرب ارتكبت في ولايات السودان المختلفة بما فيها الخرطوم والجزيرة وسنار وكردفان وغيرها من المدن؟ وتابع أن خان أشارت أيضاً إلى المعوقات التي واجهت مكتب المدعي العام في الوصول للشهود المعنيين وإمكانية الوصول الآمن إلى أرض الجريمة، مضيفاً أنها أرجعت المسألة إلى مشاكل التمويل للمحكمة لكنها تحاول تخطي هذه الصعوبات بعد موافقة المحكمة، بإيجاز أخذ صور الأقمار الصناعية وغيرها من المعلومات والبيانات، وتابع أن هذه المعلومات بالفعل أثبتت حالة الدماء المنتشرة في الفاشر، وأنها تحدثت أيضاً عن العقوبات التي وجهتها أمريكا إلى مسؤولي المحكمة الجنائية وأوامر الاعتقال، مشيراً إلى أن الإحاطة لمجلس الأمن كانت “أون لاين” ولم تكن مباشرة، وقال إن هذا يعني أن هناك دولاً أخرى انتقدت رفض أمريكا إعطاء تأشيرة دخول لنزهت خاصة وأن مكتب المدعي العام للمحكمة أصدر أوامر قبض سابقة لنتنياهو وآخرين وبالتالي دخلت المصالح السياسية الدولية ضد المصالح العليا لعدم إفلات المجرمين، ورأى أن هذا التقرير يفي بالتزامات المحكمة فيما يلي دارفور، ولكن يحتاج إلى جهد كبير من حكومة السودان في أن تطور آلياتها في عكس جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والجماعية والتي وقعت خارج دارفور لأن هذا أمر مهم جداً، مشيراً إلى أن التقرير قام على مقابلات للضحايا والشهود واستعانوا بخبراء في مجال تقنية المعلومات والأقمار الصناعية، وكلها أدلة كافية أن تساعد حكومة السودان في قضاياها تجاه الجنائية أو المؤسسات العدلية الأخرى، وقال إن هذه الأدلة في هذا التقرير تساعدنا أيضاً كمحامين عن ضحايا الحرب، فقد تقدمنا بدعوى في مواجهة الإمارات وتحديداً محمد بن زايد ومحمد كاكا وحميدتي وآخرين في يناير 2024 أمام مكتب المدعي العام، مضيفاً أن هذه الشكوى هي التي حركته للحديث عن الجرائم التي وقعت خارج دارفور، وتجميع المعلومات، وأن مكتب المدعي العام لم يحسم الأمر في المعلومات التي وردت إليه فيما يلي جرائم الحرب في باقي ولايات السودان، وتابع أنه بموجب المادة 15 من ميثاق المحكمة يُعطى المدعي العام حق فتح هذا الملف لكن هذا الأمر مازال متوقفاً على رغبة حكومة السودان في التعاون مع الجنائية في الجرائم التي وقعت خارج دارفور.
موضوع قانوني
وأوضح زين أن تصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية موضوع قانوني أكثر من كونه سياسياً، وقال: في السودان حتى الآن لا يوجد قانون عمل على تصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية، وإن هناك قانون إرهاب يتعامل في مواجهة المليشيا كأفراد، مضيفاً: من المفترض أن يكون هناك قانون خاص بذلك، ورأى أن التقرير يساهم في إمكانية تصنيف المليشيا منظمة إرهابية، لكنه يحتاج لرفع الدعاوى في أوروبا ضد المليشيا والإمارات، وقال إذا أصدرت دولة أوروبية واحدة إدانة ضد المليشيا وجرائمها يمكن أن يتم تصنيفها كجماعة إرهابية، مضيفاً: الدليل هو هروب النازحين من الفاشر خوفاً من جرائم المليشيا ووصولهم إلى الولايات التي يسيطر عليها الجيش، مشيراً إلى مناقشة الكونجرس الأمريكي قبل ذلك مسألة تصنيف المليشيا منظمة إرهابية وكذلك البرلمان الأوروبي، مؤكداً أن تدخل الإمارات يقطع الطريق أمام كل ذلك، وقال لو تم ذلك ستكون الإمارات راعية للإرهاب في العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى