الفول السوداني (الحبة الكبيرة) نموذجًا للفرص المهدرة

عادل الرفاعي أبو الحسن
كان هناك مشروع سوداني ناجح يقوم على زراعة الفول السوداني ذي الحبة الكبيرة، المعروف تجاريًا باسم “الجامبو”، في ولاية نهر النيل. لم يكن المشروع مجرد تجربة زراعية، بل كان نشاطًا إنتاجيًا قائمًا؛ يزرع وينتج ويصدر إلى الأسواق الخارجية، ويحقق عائدًا اقتصاديًا للمستثمر ويسهم في توفير عائدات من الصادر للدولة.
وقد تميز هذا النوع من الفول السوداني عن الفول التقليدي المنتج بغرض إنتاج الزيت. فالقيمة الاقتصادية للفول ذي الحبة الكبيرة لم تكن في محتواه الزيتي، وإنما في جودة الحبة وحجمها ومواصفاتها التجارية التي جعلتها مطلوبة في الأسواق العالمية.
وكان يُصدر كحبوب خام ذات جودة عالية إلى الأسواق الخارجية، حيث يتولى المستوردون بعد ذلك عمليات التجهيز والتصنيع وفق احتياجات أسواقهم، سواء ببيعه كما هو، أو تقشيره، أو تحميصه، أو إدخاله في صناعات غذائية مختلفة. ولذلك كان محصولًا تصديريًا ذا طبيعة خاصة، يختلف عن المحاصيل التي تزرع بهدف إنتاج الزيت أو استخلاص الزيت من الحبوب.
وقد أثبتت التجربة أن المنطقة تمتلك مقومات إنتاج هذا المحصول؛ فالأرض مناسبة، والمياه متوفرة، والطلب العالمي قائم، والعائد الاقتصادي كان مجزيًا. وكان المشروع نموذجًا لنشاط زراعي يمكن أن يتوسع ويصبح جزءًا من منظومة الصادرات الزراعية السودانية.
لكن هذا النشاط توقف لاحقًا. وتشير الروايات المتداولة بين المهتمين بالقطاع الزراعي إلى أن قرارًا يتعلق بتسعير الحبوب الزيتية صدر في عهد الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، وأدى إلى دخول هذا النوع من الفول ضمن المحاصيل المشمولة بالتسعير، دون مراعاة خصوصيته كمنتج تصديري يختلف في غرضه الاقتصادي عن الفول المنتج للزيوت.
وبغض النظر عن تفاصيل القرار وظروفه في ذلك الوقت، وبعيدًا عن الدخول في تفاصيل ما إذا كانت قد وجدت مبادرات أو محاولات لمراجعة الأمر أو استثناء هذا النوع من الفول، فإن العبرة تبقى بالنتيجة التي ظهرت على أرض الواقع؛ فقد ظل هذا النشاط خارج دائرة الإنتاج المنظم ولم يعد إلى مساره العملي كمشروع زراعي تصديري إلا عندما بدأت هيئة تطوير الزراعة – وهي هيئة رئاسية أنشئت في عهد الإنقاذ – مراجعة تاريخ المنطقة ودراسة فرص إعادة إدخال المحاصيل ذات الجدوى الاقتصادية.
وفي إطار رؤية هيئة تطوير الزراعة واستراتيجيتها الرامية إلى إدخال محاصيل جديدة، وتنفيذ مشاريع نموذجية لإثبات الجدوى الاقتصادية والزراعية، ودعم مسار التنمية الزراعية، بدأت الهيئة في دراسة التاريخ الزراعي للمنطقة والبحث في التجارب السابقة التي يمكن البناء عليها.
وخلال هذه المراجعة، اكتشفت الهيئة أن هناك تجربة سابقة ناجحة لزراعة الفول السوداني ذي الحبة الكبيرة كانت قائمة في المنطقة ثم توقفت. وأظهرت الدراسة أن توقف النشاط لم يكن بسبب ضعف المحصول أو عدم ملاءمة البيئة الزراعية، وإنما كان مشروعًا يمتلك مقومات النجاح ويمكن إعادة إحيائه وتطويره ضمن رؤية استثمارية وتصديرية.
وبناءً على ذلك، بدأت هيئة تطوير الزراعة خطوات عملية لإعادة إحياء النشاط، فتم استجلاب التقاوي المناسبة، وزراعة أكثر من ألفي فدان كتجربة نموذجية لإثبات إمكانية التوسع وإعادة المحصول إلى دائرة الإنتاج التجاري.
ولم تكن قيمة هذه التجربة في المساحة المزروعة فقط، بل في المعرفة التي أنتجتها حول المحصول والمنطقة. فقد أصبحت لدى هيئة تطوير الزراعة بيانات تفصيلية عن التربة وخصائصها الكيميائية والفيزيائية، واحتياجاتها الزراعية، وعمق الحراثة المناسب، وبرامج التسميد، إضافة إلى المعلومات المتعلقة بمصادر المياه الجوفية بعد تحليلها.
كما أن الخبرات الفنية التي شاركت في تنفيذ التجربة راكمت معرفة عملية حول زراعة هذا المحصول، وهو ما يمثل قيمة مهمة لأي توسع مستقبلي، لأن المستثمر لا يبدأ من نقطة الصفر، بل يجد أمامه تجربة ميدانية وبيانات فنية جاهزة.
وقد جذب هذا النجاح اهتمامًا استثماريًا، حيث ظهرت مبادرة من مستثمر أجنبي لإقامة مشروع واسع لإنتاج الفول السوداني ذي الحبة الكبيرة بغرض التصدير. وكانت الرؤية أن يبدأ المشروع بإنتاج يتراوح بين 20 و 30 ألف طن في المرحلة الأولى، ثم يتوسع تدريجيًا وصولًا إلى طاقات إنتاجية كبيرة قد تصل إلى نحو 500 ألف طن، مستفيدًا من الأراضي الواسعة ومصادر المياه المتوفرة في المنطقة.
إلا أن هذه المبادرة لم تتحول حتى الآن إلى مشروع إنتاجي واسع، بسبب تحديات مرتبطة بالجاهزية المؤسسية وبعض المتطلبات التنظيمية اللازمة لمثل هذه الاستثمارات الكبيرة، رغم بقاء الفرصة قائمة وتوفر البيانات والمعلومات الأساسية التي يحتاجها أي مشروع جاد.
وتكشف هذه القصة أن الفرص الاقتصادية لا تضيع دائمًا بسبب نقص الموارد؛ فقد تكون الأرض موجودة، والمياه متوفرة، والسوق جاهزًا، والمعرفة الفنية متاحة، لكن غياب الجاهزية والتنسيق قد يؤخر تحويل الفرصة إلى واقع اقتصادي.
وتزداد أهمية هذا المحصول عند النظر إلى إمكانات ولايتي نهر النيل والشمالية؛ فهذه المناطق تمتلك أراضي واسعة، ومصادر مياه متنوعة، وتجارب عملية تؤكد قدرتها على استضافة مشاريع زراعية تصديرية كبيرة.
إن قصة الفول السوداني (الحبة الكبيرة) ليست مجرد قصة محصول توقف ثم عاد، بل هي نموذج لطريقة تعامل الدولة مع الفرص الاقتصادية. فالمشروع الناجح لا ينبغي أن يختفي من الذاكرة بسبب تغير الظروف، بل يجب أن تتم مراجعته وتطويره وإعادته إلى مساره عندما تتوفر المعطيات المناسبة.
فالفرصة المهدرة قد لا تكون فرصة ضائعة، بل فرصة تحتاج إلى رؤية تعيد اكتشافها، ومؤسسات تهيئ الطريق لتحويلها إلى إنتاج وصادرات وتنمية.



