دُمُوعْنَا حَابْسِنِهِنْ بالصِنْقَيعْ !!

محجوب فضل بدري
ما يجري في بلادنا يُدمع العين ويُدمي القلب ويكسِر الخاطر ولكن ،
ما للبكاء من جدوى، ولا للحزن مكان ونحن نخوض حرباً لا يعلم إلا الله وحده متى تضع أوزارها .
أمَّا مليشيا عيال دقلو، فقد انكشف ظهرها، وبانت عورتها، دُبُر نِعْزايى،بعد ما قضت دويلة الكفيل منها وطراً وما عاد يهمها مصير من بقي منهم، لكن الدويلة لم ترفع يدها عن الحرب على بلادنا، فهاهي مسيراتها التي لا يدري الجنجويد كيفية تشغيلها، فهم لا يعرفون كوعهم من بوعهم ولا يفكون الخط ولا يدرون إلى أين يساقون.
لكن ماهو مدعاة للحزن والأسف أن يقع بعض أبناء جلدتنا ضحيةً للرغبة فى السلطة أو الثراء من الدراهم المغموسة فى الدم وعلى حساب الوطن الجريح. وهم يعلمون أو قد لا يعلمون أن العلاقة في عالم التجارة المحرمة كالتهريب أو الارتزاق أو العمالة ليس هناك ثمة أصدقاء بل ما يوجد فيها عملاء. والبون شاسع بين الأصدقاء والعملاء !!
وتحت حمى الرغبة الجامحة مع القدرات المحدودة تكون المفارقة مضحكة أحياناً، ولكنه ضحك كالبكاء وقد تكون المسألة حقيقية أو نسبية !!
يقول انشتاين السودان المغفور له باذن الله البروفسير محجوب عبيد (أن تقف إلى جوار من تُحبها لمدة ساعة، وتحس كأنها دقيقة،أو أن تقف على جمرةٍ لمدة دقيقة فقط تحس كأنها ساعة هذا هو ما يُعرف بالنسبية) كالمدعى بأنه يقف مع جيش البلاد في حرب الكرامة وهو ينشط في تهريب الذهب!! نجد أنه بالمحصلة يقف في خانة الأعداء أراد أو لم يُرِد، فلا هو ينتابه الوجع ولا يعرف قلبه الورع، يقول الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه:- (للمؤمن ورعٌ يمنعه من أن يَخدَع وعقلٌ يمنعه من أن يُخدع)، فكيف نُخدع في من يدَّعي وقوفه مع الجيش وهو ينشط فى الفساد أو يمارس التهريب .
ونحن في قلب معارك حرب الكرامة نرى الخديعة تسعى على قدمين بين ظهرانينا ممثلةً فى منظومة الفساد الذى يضرب بأطنابه في مفاصل الدولة، والحكومة لا تُبدى كثير اهتمامٍ على قمع مواطن الفساد، بل قد تُقدِم على ملاحقة من يتحدثون عن الفساد وتطالبهم بتقديم ما يُثبت أقوالهم، وهى تعلم بأن الصحفي ليس بجهاز أمنٍ يملك وسائل الضبط والمتابعة الدقيقة وليس له سلطة المراجعة، إذ يكفي الصحفي أن يُشير إلى مواطن الفساد بلا تشهير ولا سوء قصد، بحيث تتولى الدولة بما تملك من صلاحيات وأجهزة أمرَ التحقيق في زَعمِ الصحفي الذى يكفيه أن يكون الخبر صحيحاً فى جوهره، فإن قال أن هناك اختلاساً فى جهة/وزارة بعينها يُقدَّر بالملايين أو المليارات من الجنيهات أو من الدولار، وكان ذلك صحيحاً فلا تُشكل التفاصيل التى تكتشف بعد ذلك جُرماً . لكن المُبكي أن يُلقىٰ القبض على الصحفي ويتحول إلى جَانٍ، وتتحول الجهة التي أشار إليها إلى خانة الضحية، وهكذا يستشري الفساد ويطير الدولار حتى يكاد يلامس سقف العشرة آلاف جنيه!! ويتسرب الذهب المُنتَج بواسطة التعدين الأهلى- والذى يمثل طوق النجاة- من بين أصابع أقتصادنا المُنهك ويُغذي شرايين قارون العصر دويلة الشر الغارقة في الثراء الفاحش، الطامعة في خيرات بلادنا ومقدراتها، دون وازع من ضمير ولا ذرة من أخلاق !!
الجائع لا رأي له وليس لديه ترف الوقت في التفكير في أي شئ وهو خاوي البطن وأذناه تضُجَّان بعويل النسوة وصراخ الأطفال الطعام الطعام فالجوع لا يرحم.
والحال هذه لا ندعو سوى أن تُفرغ هذه الحكومة (أو غيرها) كلَّ جُهدها في أي معالجة للوضع المعيشي البائس للسواد الأعظم من المواطنين الذين يعانون من المسغبة والمتربة، وأن تفكر خارج الصندوق وتستنبط الحلول لا أن تعمل على تجريب المٌجَرًّب، والبِيَجَرِّب المُجَرَّب حَاقَت بيهو الندامة، ولا يَغُرنَّكُم طول صبر المواطن فهو يبكي من الداخل فلو أطلق لدموعه العنان لجرت جداول.
رحم الله العمدة ود نواي وكان له محكمة وسلطة في مدينة كوستي وما جاورها حتى قامت ثورة مايو بالغاء الإدارة الأهلية فساءت حاله والتقى به بعد ذلك بزمن شخصٌ يعرفه فقال له:
كيف الحال ياعمدة؟
فرد عليه قائلاً:- ( والله ياولدي، دموعنا إلا حابْسِنْهِن بالصنقيع) أي أنه يمشي مرفوع الرأس ولو خفض رأسه لسالت دموعه فهو لا يُظهر البكاء رغم المصيبة التي حلت به.
أرحموا هذا الشعب الباسل الذى لا يخفض رأسه حتى لا يسيل دمعه يرحمنا ويرحمكم الله.



