رأي

نحو سودان جديد: رؤى في بناء الدولة التنموية والاقتصاد المنتج (2)

نعمان يوسف محمد **

حين تخرج الدول من الحروب، تتجه الأنظار عادة إلى الخرسانة قبل الإنسان، وإلى المباني قبل المؤسسات، وإلى حجم الأموال المطلوبة أكثر من طبيعة النموذج الاقتصادي الذي ستُضخ فيه تلك الأموال. وبينما ينشغل الجميع بإعادة تشييد ما تهدم، يغيب السؤال الأكثر أهمية: ما الدولة التي نريد أن نبنيها؟

إن هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل هو جوهر معركة ما بعد الحرب. فالإعمار الحقيقي لا يبدأ عندما تعود الرافعات إلى مواقع البناء، وإنما عندما تعود الثقة إلى مؤسسات الدولة، ويستعيد الاقتصاد قدرته على إنتاج القيمة، ويشعر المواطن بأن القانون أصبح أقوى من النفوذ، وأن الكفاءة أصبحت مقدمة على الولاءات، وأن المستقبل لم يعد رهينة للمصادفات السياسية.

لقد أثبت التاريخ الاقتصادي أن الحروب، على فداحتها، كانت في كثير من الأحيان نقطة انطلاق لدول أعادت اكتشاف نفسها. لكن ما صنع الفارق لم يكن حجم المساعدات التي تلقتها، ولا وفرة مواردها الطبيعية، بل قدرتها على بناء مؤسسات عامة تمتلك الكفاءة، والاستقلال، والانضباط، والرؤية بعيدة المدى. فالمباني يمكن أن تُعاد خلال سنوات، أما المؤسسات فتحتاج إلى إرادة سياسية، وعقل استراتيجي، وثقافة جديدة في إدارة الدولة.

وهنا يبرز مفهوم الدولة التنموية؛ ليس بوصفه شعاراً سياسياً، بل باعتباره نموذجاً للحكم والإدارة أثبت نجاحه في تجارب متعددة. فالدولة التنموية ليست الدولة التي تحتكر الاقتصاد، ولا تلك التي تنسحب منه بالكامل، وإنما الدولة التي تمتلك القدرة على توجيه التنمية، وصناعة البيئة التي تزدهر فيها المبادرة الخاصة، ويعمل فيها السوق وفق قواعد عادلة، وتلتقي فيها الكفاءة الاقتصادية مع العدالة الاجتماعية.

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدول الخارجة من النزاعات هو الاعتقاد بأن إعادة الإعمار تعني إعادة إنتاج ما كان قائماً قبل الحرب. فالحرب لا تهدم الجدران فقط، بل تكشف أيضاً نقاط الضعف البنيوية التي كانت كامنة في الاقتصاد والإدارة والسياسات العامة. وإذا اكتفينا بإصلاح ما تهدم دون معالجة أسباب الهشاشة، فإننا نؤجل الأزمة ولا نحلها.

وفي السودان، لا ينبغي أن تكون الحرب مجرد حدث مؤلم نسعى إلى تجاوزه، بل فرصة تاريخية لإعادة التفكير في طبيعة الدولة نفسها. فهل نريد دولة تستهلك مواردها في إدارة الأزمات، أم دولة تبني اقتصاداً قادراً على منع الأزمات أو الحد من آثارها؟ وهل نريد مؤسسات تُدار بردود الأفعال، أم مؤسسات تُدار بالرؤية والتخطيط والاستشراف؟

إن الدولة التنموية تبدأ من إعادة تعريف وظيفة الدولة. فوظيفتها ليست أن تكون أكبر مستثمر، ولا أكبر تاجر، ولا أكبر رب عمل، وإنما أن تكون الضامن لسيادة القانون، والحارس للمنافسة العادلة، والمحفز للإنتاج، والمنسق بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين. إنها الدولة التي تستثمر في الإنسان قبل الحجر، وفي المعرفة قبل الإنفاق، وفي بناء القدرات قبل توزيع الموارد.

ولذلك، فإن أول مشروع لإعادة الإعمار في السودان يجب ألا يكون طريقاً أو جسراً أو مطاراً، وإنما إعادة بناء المؤسسة العامة. فالمؤسسة هي التي تخطط، وتنفذ، وتراقب، وتحاسب، وتحفظ استدامة التنمية. وإذا كانت المؤسسة ضعيفة، فإن أفضل المشروعات ستتعثر، وأكبر الاستثمارات ستتبخر، وأغنى الموارد ستتحول إلى مصدر للنزاعات بدلاً من أن تكون محركاً للازدهار.

إن المؤسسات القوية لا تُقاس بحجم مبانيها، بل بجودة قراراتها. وهي لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل بثقافة مؤسسية تجعل الكفاءة معياراً للتكليف، والشفافية أساساً للإدارة، والمساءلة جزءاً من العمل اليومي. وحين تصبح هذه القيم جزءاً من الممارسة، تتحول الدولة من جهاز إداري مثقل بالأعباء إلى منصة وطنية لإنتاج التنمية.

ولعل من أهم التحولات التي يحتاجها السودان هو الانتقال من الدولة المديرة للاقتصاد إلى الدولة الممكنة للاقتصاد. فالاقتصاد الحديث لا يزدهر عندما تسيطر الدولة على كل شيء، ولا عندما تتخلى عن مسؤولياتها، بل عندما تؤدي دورها الطبيعي في بناء البيئة المؤسسية التي تسمح للقطاع الخاص، والتعاونيات، والمجتمعات المحلية، ورواد الأعمال، بالابتكار والإنتاج والتوسع.

وهنا يصبح الاستثمار في الحوكمة أكثر أهمية من الاستثمار في الإسمنت، والاستثمار في الكفاءات أكثر عائداً من الاستثمار في الأجهزة، والاستثمار في البيانات والتحول الرقمي أكثر استدامة من الحلول المؤقتة. فالدول التي تبني مؤسسات ذكية، قادرة على اتخاذ القرار اعتماداً على المعلومات، تكون أكثر قدرة على إدارة مواردها، وجذب الاستثمارات، والاستجابة للأزمات.

كما أن الدولة التنموية لا تنظر إلى الاقتصاد بوصفه مجموعة قطاعات منفصلة، بل باعتباره منظومة مترابطة. فالزراعة لا تنهض دون تمويل، والتمويل لا يزدهر دون قطاع مصرفي قوي، والقطاع المصرفي لا يتطور دون بنية رقمية حديثة، والبنية الرقمية لا تحقق أثرها دون تعليم جيد، وقضاء مستقل، وإدارة عامة كفؤة. إن التنمية ليست مشروعات متجاورة، بل شبكة مترابطة، إذا ضعفت إحدى حلقاتها تأثرت المنظومة بأكملها.

غير أن بناء الدولة التنموية لا يتحقق بمجرد إعلان النوايا أو إصلاح بعض الأجهزة الحكومية، وإنما يتطلب إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع وفق رؤية تنموية متكاملة. فالدولة التنموية ليست مؤسسة واحدة، بل منظومة تتكامل فيها السياسات والأدوار لتحقيق هدف مشترك هو رفع الإنتاجية وتعظيم القيمة المضافة وتحسين جودة حياة المواطنين.

وتقوم هذه المنظومة على خمسة مرتكزات رئيسة:
1) مؤسسات عامة كفؤة تقود التنمية بكفاءة واستقلالية
2) اقتصاد منتج يقوم على سلاسل القيمة والتصنيع والابتكار بدلاً من تصدير المواد الخام
3) قطاع خاص تنافسي يمتلك القدرة على الاستثمار والتوسع في بيئة عادلة وشفافة
4) قطاع مالي متطور يوجه المدخرات نحو الإنتاج وييسر الوصول إلى التمويل
5) رأس مال بشري مؤهل يستند إلى تعليم نوعي، وتدريب مستمر ورعاية صحية تضمن استدامة الإنتاج والإبداع.

ولا يمكن لأي ركيزة من هذه الركائز أن تحقق أهدافها بمعزل عن الأخرى؛ فالمؤسسات الرشيدة تحتاج إلى بيانات دقيقة، والقطاع الخاص يحتاج إلى تشريعات مستقرة، والتمويل يحتاج إلى مشروعات منتجة، وسلاسل القيمة تحتاج إلى بنية تحتية مادية ورقمية، والجميع يحتاج إلى سيادة القانون وثقافة مؤسسية تقوم على الكفاءة والمساءلة.

ولهذا فإن نجاح الدولة التنموية لا يُقاس بحجم ما تنفقه الحكومات، بل بقدرتها على بناء منظومة تعمل بتناغم، وتحوّل الموارد إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة مضافة، والقيمة إلى تنمية مستدامة يشعر المواطن بآثارها في مستوى معيشته وجودة الخدمات وفرص العمل. وعند هذه النقطة فقط، تتحول الدولة من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.

ومن هنا، فإن إعادة بناء السودان يجب أن تنطلق من عقد مؤسسي جديد، يقوم على مبادئ واضحة: سيادة القانون، واستقلال المؤسسات، والحوكمة الرشيدة، والتخطيط الاستراتيجي، والإدارة القائمة على النتائج، وربط الإنفاق العام بمؤشرات الأداء والأثر، لا بمجرد بنود الموازنات.

إن العالم لا يقيس قوة الدول بعدد ما تملكه من الموارد، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة. والسودان لا تنقصه الموارد، بل يحتاج إلى المؤسسات التي تحسن إدارتها، وإلى السياسات التي تحولها إلى إنتاج، وإلى قيادة تؤمن بأن بناء الدولة يبدأ ببناء قواعدها، لا بطلاء واجهاتها.

إن ما بعد الحرب ليس مرحلة لإصلاح ما انكسر فقط، بل لحظة لإعادة صياغة العقد بين الدولة والمجتمع والاقتصاد. فإذا نجح السودان في بناء مؤسسات قوية، مستقلة، وفاعلة، فإن إعادة بناء المدن ستكون مسألة وقت. أما إذا بدأ بالمباني وأهمل المؤسسات، فإنه قد يجد نفسه بعد سنوات أمام مدن جديدة، ولكن بأزمات قديمة.

ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل مشروع إعمار هو: هل نبني حجراً فوق حجر، أم نبني مؤسسة قادرة على حماية كل حجر سيُبنى بعد ذلك؟

في الإجابة عن هذا السؤال يكمن مستقبل السودان، وتبدأ الرحلة الحقيقية من دولة أنهكتها الحرب إلى دولة تصنع التنمية، وتستشرف المستقبل، وتؤسس لنهضة لا تقوم على وفرة الموارد، بل على جودة المؤسسات.

تأتي هذه المقالة ضمن سلسلة “نحو سودان جديد.. رؤى في بناء الدولة التنموية والاقتصاد المنتج”، وهي سلسلة تسعى إلى تقديم رؤى عملية لإعادة بناء السودان على أسس الإنتاج، والحوكمة، والابتكار، وسلاسل القيمة، بما يؤسس لدولة تنموية حديثة واقتصاد أكثر قدرة على المنافسة والاستدامة.

“المستقبل لا يُورث… بل يُبنى.”

** مصرفي سابق – استشاري التطوير المؤسسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى