بين ثـراء المورد وثراء البصيرة ..

هشام عوض محمداني
إلى المهندس فؤاد قباني: قرأتُ مقالكم “السودان بين الموازنة والترضيات” فوجدتُه لا يقف عند حدود توصيف الأزمة، بل ينفذ إلى جذورها العميقة، حيث تتقاطع الثروة مع السياسة، وتتجاذب المصالحُ الوطنَ بين الموازنة والترضيات.. لقد أحسنتم حين أدرتم البوصلة نحو الحقيقة الكبرى؛ فالسودان لم يكن يوماً فقيراً في موارده، وإنما ظل في كثير من مراحله فقيراً إلى الإدارة الرشيدة التي تحسن استثمار الغنى وتحرسه من الأطماع.
جاء طرحكم متدرجاً من استعراض مهيب لعطاء الأرض السودانية، بما تختزنه من ماءٍ ومعادن وزرعٍ وضرع، إلى مساءلةٍ واعية للنخب السياسية حول مدى إدراكها لقيمة هذا الإرث الاستثنائي، فكان السؤال في ظاهره استفساراً، وفي باطنه جرس إنذار يدق في أذن الوطن. وقد أصبتم كبد الحقيقة حين أشرتم إلى أن السودان ليس مستهدفاً لضعفه، بل لقوته الكامنة، وليس محسوداً لفقره، بل لفرادة موارده واتساع آفاقه.
وفي دعوتكم إلى حوارٍ سودانيٍّ خالصٍ تتجلى حكمة العارف بطبائع الأزمات؛ إذ لا يُبنى السلام بالإقصاء بل بالاحتواء، ولا تُطفأ نيران النزاعات بإضافة الوقود إليها، بل بإعلاء صوت العقل فوق ضجيج الخصومات. فكان حديثكم عن التصافي والتلاقي بين مختلف المكونات السياسية بمثابة دعوةٍ إلى جمع الشتيت قبل ترميم البيت، وإلى رأب الصدع قبل تشييد الجدران.
كما أن وقفتكم عند ملف الموارد أثناء الحرب كانت من أعمق محطات المقال؛ إذ كشفتم بذكاءٍ لافت ذلك التناقض الصارخ بين استمرار تدفق الثروات وتعثر مسارات الحل، وكأنكم تميطون اللثام عن سؤالٍ ظل كامناً في الظل: من المستفيد من استمرار النزاع؟ ومن الذي لا تتعطل مصالحه مهما اشتعلت الحرائق؟ وهنا تتجلى قيمة دعوتكم إلى تأسيس رؤية اقتصادية وطنية يقودها أهل الكفاءة والنزاهة، لأن معركة الموارد لا تقل خطورة عن معارك الميدان.
وقد ختمتم المقال بروحٍ سودانية أصيلة، تستلهم قيم العفو والتسامح وتستدعي إرثاً اجتماعياً ظل عبر العقود صمام أمان هذا البلد العظيم. فجاءت كلماتكم جامعةً بين الواقعية والرجاء، وبين تشخيص الداء واستشراف الدواء، في نسقٍ بديعٍ جمع بين صلابة الفكرة ورشاقة العبارة، وبين حرارة الانتماء وهدوء الحكمة.
مقالٌ يوازن بين العقل والعاطفة ويجمع بين التحذير والتبشير، ويضع الإصبع على موضع الجرح دون أن يفقد الإيمان بقدرة السودان على النهوض. فلكم التقدير على هذا الطرح الرصين الذي يقرأ الحاضر بعين البصيرة، ويستشرف المستقبل بوعي الخبير وصدق الغيور، مستنهضاً الهمم نحو وطنٍ يُدار بالمعرفة لا بالمجاملات، وبالموازنة لا بالترضيات، وبمنطق الدولة لا حسابات الجماعات.
فمثل هذه الكتابات لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسهم في صناعة الوعي، ولا تكتفي بإثارة الأسئلة، بل تفتح أبواب التأمل في الإجابات، وتؤكد أن السودان، مهما تعاظمت محنه وتكاثفت غيومه، سيظل قادراً على استعادة عافيته متى ما اجتمعت الإرادة على كلمة سواء، وتقدمت مصلحة الوطن على ما سواها.
دمتم صوتاً للعقل في زمن الضجيج، وبصيرةً تستقرئ كنوز الأرض وتستشرف آفاق المستقبل، وقَلَماً يكتب للسودان لا عنه، وينحاز له لا عليه.



