الذاكرة السودانية: بونا ملوال جنوبي الهوى والهوية


محمد الشيخ حسين
توفي الأحد 2 نوفمبر الحالي السياسي الجنوبي الفذ بونا ملوال عن 97 عاما قضاها في حب جنوب السودان وخدمة قضاياه.
غير أن بونا ملوال أنهى حياته السياسية بعد أن أعلن انه عازم على التفرغ للكتابة والبحث بعد 46 عاماً من الممارسة السياسية ورفض الربط بين قراره وإعلان الحكومة السودانية فى الشمال إنهاء تعاقداتها مع الموظفين الجنوبيين فى الخدمة العامة.
ونوه ملوال إلى أن المنصب الذى يشغله كمستشار للرئيس يعتبر وظيفة سياسية يحق لرئيس الجمهورية إنهائها وقتما يشاء.
وقال إنه لايشعر بأي ندم لمطالبته بالانفصال وكفالة حق تقرير المصير للجنوبيين منذ وقت بعيد. وأشار إلى أن الانفصال كان نتاجاً لتجربته السياسية الطويلة و قرر على ضوئها الابتعاد عن الساحة السياسية محملاً شخصه مسؤولية الأخطاء التى صاحبت التجربة إن كانت هناك أخطاء.
وفي عودة للتاريخ القريب أشار بونا إلى عدم جلوس القيادة الشمالية ابان عهد جعفر نميرى (1969 – 1985) مع الجنوبيين لمناقشة حق تقرير المصير بجدية واعتبارها المطالبة (خيانة عظمى).
وقال ملوال إنه لايشعر بالندم لمطالبته بتقرير المصير في السنوات الماضية مضيفاً بأن المجتمع السياسي الشمالي مرتب ولكنه لا يقبل الآخر لطبيعة النظام العربي الإسلامي السائد فيه.
ودعا بونا ملوال لانتظار تكوين دولة الجنوب الجديدة ومن ثم تقييمها مشيراً إلى أن فشل الجنوب يعني أن يطول الشمال أيضا الاخفاق.
وطالب مستشار رئيس الجمهورية الشريكين بضرورة حل كافة القضايا العالقة بالداخل وعدم الجنوح إلى الحلول الخارجية واصفا اتفاق أبيي بين الشريكين بالجيد ولكنه أشار إلى أن المشكلة تكمن فى التنفيذ خاصة بعد اعتياد الطرفين علي تفسير النصوص وفق أهوائهم.
وبدأ د.بونا ملوال حياته السياسية عام 1964م قبل إندلاع ثورة أكتوبر وتم إختياره أميناً عاماً منتخباً لجبهة الجنوب عام 1965م للإعداد لمؤتمر المائدة المستدير ولمع نجمه عندما عين وزيراً للإعلام في عام 1972م قبل أن يتخلى عن نظام نميرى عام 1983م ليتم إيداعه للمعتقل.
ويعد ملوال، المنتمي إلى قبيلة الدينكا من الجيل الأول من الساسة الجنوبيين الذين لعبوا دوراً محورياً في المشهد السياسي السوداني منذ سبعينيات القرن الماضي، فقد شغل منصب وزير الإعلام في عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري عام 1973م، كما عمل لاحقاً مستشاراً للرئيس السابق عمر البشير، وهو أحد مؤسسي برنامج السودان- أوكسفورد.
قاد بونا ملوال “المنبر الديمقراطي” لجنوب السودان المؤيد لاتفاقية السلام الشامل 2005م، كما لعب دوراً بارزاً خلال الانتخابات الرئاسية عام 2010م عبر قيادته حملة دعم الرئيس عمر البشير.
وامتدت مسيرة الراحل المهنية خلال الحرب الأهلية الأولى في السودان، واتفاقية السلام 1972م التي منحت الجنوب الحكم الذاتي، واتفاقية السلام الشامل 2005م، واستقلال جنوب السودان في نهاية المطاف عام 2011م.
وُلِد ملوال في بحر الغزال، وهو من تويك بولاية واراب، وكان من أوائل أبناء جنوب السودان الذين درسوا في الولايات المتحدة، وحصل على شهادات من جامعتي إنديانا وكولومبيا، وكان والده الراحل السلطان مادوت رينغ، الزعيم الأعلى لقسم أجاكواك.
بدأ مسيرته المهنية في الصحافة، حيث أسس وحرر صحفًا، منها “ذا فيجيلانت” و “سودان ديمقراتيك غازيت” اللتين دافعتا عن حقوق جنوب السودان، ثم عن حق تقرير المصير.
بعد اتفاقية أديس أبابا 1972 التي أنهت الحرب الأهلية الأولى، انضم ملوال إلى الحكومة السودانية وزيرًا للثقافة والإعلام، وشغل المنصب من 1973 إلى 1978م، وبعد انقلاب يونيو 1989م فر إلى المنفى في بريطانيا، حيث واصل نشاطه السياسي وعمله في مجال النشر.
ويعد الراحل من الرواد المؤسسين لبرنامج السودان بجامعة أوكسفورد عام 2002م,
عاد إلى السودان عقب توقيع اتفاقية السلام الشامل 2005م، وعُيّن مستشارًا للرئيس عمر البشير آنذاك، وهو المنصب الذي شغله حتى انفصال جنوب السودان 2011م، وظل نشطًا في الحياة العامة حتى وفاته.
حسب معلومات الصحفي الجنوب سوداني أتيم سايمون سيظل جنوب السودان يذكر بونا دائما خاصة حين (اختار بونا طريقته الخاصة به في العمل العام وترك بصمة لا ينكرها أحد في المشهد السياسي السوداني والجنوب سوداني بتقلباته العديدة).
ولعل الأهم في كل تلك التجربة هو ما قام بسرده بونا في كتابه السودان وجنوب السودان من واحد إلى اثنين حول كيفية نشأة وتأسيس حزب جبهة الجنوب إبان اندلاع ثورة أكتوبر 1964، التي أطاحت بحكومة الجنرالات السبعة بقيادة عبود، فهي سردية مهمة حول كيفية تلاحم الجنوبيين ومطالبهم في ظل تلاطم أمواج السياسة في السودان. كيف لا وجبهة الجنوب كانت بمثابة الحزب الطليعي.
رحل بونا وترك خلفه مذكرات يحكي فيها تلك التجربة، كما كتب مؤلفات عديدة يوثق فيها تجربته ومنازعاتها بصورة اتسمت بالجرأة والشجاعة الكبيرة، قبل أن ينزوي عن المشهد تمامًا بعد مشاركته في جولات مؤتمر الحوار الوطني وما خرج به من نتائج وتوصيات لا يزال صداها يتردد في دهاليز المشهد السياسي الراهن.



