أين يتجه المشهد السياسي في مالي، بعد الهجمات الأخيرة

السفير عطا المنان بخيت
في السادس والعشرين من أبريل الماضي، تفاجأ الماليون حكومة وشعباً، بأخطر وأعنف هجوم منسق وفعال، منذ وصول المجلس العسكرى للسلطة فى 2020، قاده تحالف المصلحة بين جبهة تحرير أزواد، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين. كان الهجوم واسعاً من شمال البلاد وحتى تخوم العاصمة باماكو، وحقق نتائج مذهلة في فترة وجيزة، ففي الشمال إستطاعت جبهة تحرير أزواد السيطرة الكاملة على مدينة كيدال الاستراتيجية، وطردت القوات الحكومية ومقاتلي فيلق أفريقيا الروسي الذين يسيطرون على المدينة منذ العام 2022، أما حركة النصرة فقد إجتاحت القلعة العسكرية المحصنة للجيش المالي في مدينة كاتي المجاورة للعاصمة باماكو، وأسفر هجوم قاده أحد الإنتحاريين عن إغتيال وزير الدفاع والرجل القوى الثاني في المجلس العسكري ساديو كامارا، إلى جانب عدد كبير من العسكريين والمدنيين.
لقد نجح الهجوم المنظم فى شل المجلس العسكري الحاكم تماماً، لدرجة أن رئيس المجلس الجنرال عصيمي غويتا ظل مختفياً لثلاثة أيام قبل أن يطل على التلفزيون الرسمي ليعلن السيطرة على الوضع، ويدعو الماليين للتعاضد والوحدة.
لقد توقع كثيرون، أن المجلس العسكري سيسقط، وأن البلاد ستدخل في دورة إضطراب جديدة، ولكن المطلعين على الوضع السياسي في مالي يدركون أن ذلك الهجوم العنيف، لن يُسقط المجلس العسكري، بل إن المهاجمين أنفسهم لم يفكروا في ذلك، لأن إمكانات الحركتين المتحالفتين العسكرية والسياسية المتواضعة، لن تمكنهما من السيطرة على الوضع فى البلاد.
تحالف المصلحة الى أين ؟:
ليست هذه المرة الأولى التي تتحالف فيها حركات تحرير أزواد بمسمياتها المختلفة، مع الجماعات الإسلامية المسلحة في مالي، فقد تحالفا فى العام 2012، وحققا تقدماً عسكريًا كبيرًا في الشمال، قبل أن تتدخل القوات الفرنسية وتحرر المدن التي سيطرا عليها. وإنفض التحالف، ليس بسبب التدخل الفرنسي، وإنما بسبب عوامل فنائه التي يحملها في داخله، لأن أهداف الحركتين مختلفة تماماً، وقضيتهما المركزية مختلفة أيضاً. فحركة تحرير أزواد، بمسمياتها المختلفة، هي حركة سياسية بإمتياز، نشأت قبل إستقلال جمهورية مالي، وتطالب الحركة بإستقلال إقليم إزواد الواقع شمال البلاد وهو موطن قبائل عديدة أهمها الطوارق والعرب والفولان، وسبق للحركة أن وقعت عدة إتفاقيات مع حكومات مالي المتعاقبة. بينما جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هي جماعة إسلامية ثورية مسلحة، تطالب بالسيطرة على كل البلاد وفرض نظام إسلامي من وحي الشريعة الإسلامية، وإتخذت الجماعة الجهاد وحمل السلاح سبيلاً لتحقيق أهدافها، ولم يسبق أن وقعت أي إتفاق مع الحكومة.
إذن فالتحالف بين الطرفين هو إتفاق مصلحة بإمتياز، إلا أن كل طرف حقق من هذا التحالف مصلحة كبيرة، فحركة تحرير أزواد نجحت في تحرير مدينة كيدال عاصمة الطوارق من سيطرة الحكومة، وفرضت نفوذها كاملاً على المدينة. بينما نجحت حركة النصرة فى إظهار ذراعها الطويلة والقوية والتي امتدت لتجتاح أهم قلعة عسكرية في البلاد، وبذلك تؤكد أنها ليست غريماً سهلاً. لكن هل إستفادت الحكومة من هذا الهجوم الكاسح عليها.
نعم إستفادت الحكومة أيضاً، فالضربة التى لا تقتلك تقويك، إستفادت أولا بمواصلة سياسة تصفية الجيش المالي من العسكريين المناوئين للمجلس الحاكم، لأن التحريات أثبتت أن الهجوم الكاسح على قلعة كاتي المحصنة ما كان له أن يتم بهذا الحجم دون مساعدة من عناصر من داخل الجيش. أما الفائدة الأكبر فهي الموقف الصارم الذي إتخذته المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا ـ الإيكواس ـ الرافض للهجوم، إذ أصدرت المجموعة بيان إدانة ورفض شديد اللهجة، لما حدث في مالي، هذا رغم أن مالي لم تعد عضواً في المجموعة الاقتصادية منذ العام 2024. وأكدت الإيكواس أن الأمن الإقليمي كل لا يتجزأ، أي أن أمن مالي جزء من أمن الإقليم. وهذا تطور مهم يدفع الإيكواس خطوة نحو التصالح مع مجموعة دول الساحل، وهو تيار تقوده كل من توغو وبنين ضمن دول أخرى.
تطورات مهمه فى المشهد:
عطفاً على ما تقدم فإن المشهد داخل مالي وفي الإقليم عامة مرشح لتطورات مهمة في المرحلة القادمة، ولا شك أن موقف الإيكواس الصارم من الهجوم على مالي له أسباب وستكون له تبعات. أسبابه أن نشاط الجماعات الإسلامية الثورية المسلحة، قد تجاوز مجموعة دول الساحل الثلاث، مالي وبوركينا والنيجر، وتمدد لداخل دول الإقليم حيث وصلت هجمات الجماعات المسلحة إلى السنغال وسيراليون وساحل العاج وغانا وبنين، وهذا تطور مزعج. وهو ما حفز الإيكواس للتأكيد أن أمن الإقليم كل لا يتجزأ، مما يشير إلى أن الإيكواس قد تبدأ رسمياً في التواصل مع مجموعة الساحل المتمردة، وتعزيز التنسيق الأمني معها، مما يعني بداية إنهاء القطيعة والموقف المتشدد الذي تبنته الإيكواس من هذه الدول الثلاث عندما أعلنت إنسلاخها من المجموعة الإقتصادية فى العام 2023. وهذا يعني أن الإيكواس ستعترف عمليا بكيان مجموعة دول الساحل، رهبة لا رغبه.
التطور المهم الثاني يتصل بالمشهد المالي الداخلي، حيث ظلت جماعة نصرة الاسلام والمسلمين معزولة عن جسم المعارضة الرسمي في مالي، وكانت كياناً منبوذاً، رغم أنها واقع معاش كل يوم ولا تنكره العين. والسبب في ذلك هو أن الجماعة ليس لها طرح سياسي واضح يمكن أن يكون مدخلاً للحوار معها، فقد ظلت حركة مسلحة تستعصم بالمدفع كوسيلة مفردة لتحقيق أهدافها. ولكن الجماعة فاجأت الجميع بعد نجاح هجومها على قلعة الجيش المالي، بأن أعلنت عن موقف سياسي جدير بالاهتمام.
وجهت الجماعة نداءً مباشراً لكل فصائل المعارضة في مالي للوحدة والتنسيق فيما بينها من أجل إسقاط المجلس العسكري، وأكدت رغبتها في أن تنضم لهذا الحوار، وأجرت حوارات مع شخصيات سياسية معارضة لم يكشف عن نتائجها. من جانبه، إلتقط إئتلاف القوى من أجل الجمهورية، أكبر تجمع معارض بقيادة الزعيم الاسلامى ذو الشعبية الواسعة، عمر ديكو، إلتقط القفاز بسرعة، وأكد إستعداده للتنسيق مع الجماعة من أجل إسقاط المجلس العسكري، وإقامة نظام جمهوري. صحيح أن البون ما يزال شاسعا، لكن هذا التطور في حد ذاته مهم، وسيعطي زخماً أكبر للمعارضة، وربما يفتح الباب للحوار بين المجلس العسكري والجماعات المسلحة والمكونات الأخرى، ويمهد لبداية مرحلة جديدة من مراحل الصراع السياسي الطويل منذ الاستقلال لتحقيق الأمن والتنمية والسلام الدائم في مالي. ومن مصلحة الجميع داخل مالي وفي كافة الإقليم، الإنحياز لخيار الحوار الداخلي الشامل، لأن تاريخ الصراع السياسي في مالي منذ الاستقلال، يؤكد أن الاعتماد على بندقية القوى الخارجية، غربية كانت أم شرقية، لن يحقق السلام العادل والاستقرار، وأن الحوار المباشر المفتوح لكل الماليين، هو الحل الوحيد لمشكلات البلاد المتناسلة منذ الاستقلال.



